آخر الأخبار

لماذا تجذبنا الشخصيات الشريرة؟ ولماذا هم الأكثر حضوراً في الأفلام والمسلسلات؟

لماذا-تجذبنا-الشخصيات-الشريرة؟-ولماذا-هم-الأكثر-حضوراً-في-الأفلام-والمسلسلات؟

يقوم البناء الدرامي للعمل السينمائي على عدد من الركائز الأساسية التي كلما كانت أكثر قوة وتميزاً كان هذا البناء أكثر ترابطاً وتماسكاً وبالتبعية أكثر جذباً للمشاهد، يتمثل أحد أبرز تلك الركائز في شخصية الشرير أو الخصم، التي في كثير من الأحيان تكون سبباً في الارتقاء بالمستوى العام للعمل الفني أو تراجعه، ولكن في أحيان أخرى تتجاوز الشخصيات الشريرة هذا الحد لتصبح العامل الأكثر تميزاً ضمن الفيلم أو المسلسل وتثير إعجاب المشاهد بقدر إثارتها لمشاعر التوتر والتوجس -وربما الخوف- في نفسه.

شهد تاريخ السينما والدراما عشرات الشخصيات الشريرة التي حظيت بشعبية طاغية فاقت في بعض الأحيان شعبية شخصية البطل، يُرجِع البعض السر في ذلك إلى الأداء التمثيلي المُتقن، ذلك القول بالتأكيد ليس خاطئ ولكن يشوبه قدر كبير من القصور، إذ أن جاذبية هذه الشخصيات ترجع إلى تضافر العديد من العوامل وما يتوفر بها من مقومات تضفي عليها سحراً وتجعلها أكثر تفرداً وتألقاً.

Advertisements


الخلفية الظلامية والمآساوية أحياناً

الخلفية-الظلامية-والمآساوية-أحياناً
© 1976 Columbia Pictures. All Rights Reserved.

من بين العوامل الأكثر إثارة للاهتمام بشأن شخصيات الأشرار في الأعمال الفنية هي خلفية تلك الشخصيات أو ملابسات النشأة أو الدوافع التي قادتهم بالنهاية إلى ما صاروا عليه، بل يمكن القول بأن نجاح شخصية الشرير تعتمد بنسبة كبيرة على خلفيتها التاريخية؛ إذ أن ذلك يجعلها أكثر عمقاً ويبرر تصرفات الشخصية وردود أفعالها مما يجعلها أكثر اتساقاً مع المنطق وبالتالي تكون مقبولة بالنسبة للمشاهد.

قد يكون أحد أقرب النماذج الدالة على ذلك للذهن حالياً شخصية "آرثر فليك" في فيلم Joker فقد تولد الشر لديه بفعل الضغط الذي تعرض له على مدار حياته بأشكال مختلفة، مما قاده في النهاية لأن يكون أحد أكثر الأشرار جنوناً، يمكن قول الشيء نفسه عن شخصية "ترافيس بيكلي" في -رائعة "مارتن سكورسيزي" و"روبرت دي نيرو"-Taxi Driver من سنة 1976.

أما إذا انتقلنا إلى عالم الدراما التلفزيونية فيمكننا تبين ذلك بوضوح من خلال النظر إلى الخلفية التاريخية لشخصية "والتر وايت" في مسلسل Breaking Bad، فمأساة الشخصية لم تبدأ باكتشاف إصابته بمرض السرطان إنما تلك نقطة التحول الأبرز فقط، أما معاناته الحقيقية بدأت قبل سنوات طويلة منذ أن تخلى عن حلمه نظير مبلغ هزيل بينما صار أصدقائه -بفضل أفكاره- فاحشي الثراء، هذا إلى جانب سلسلة طويلة من الضغوط التي غرست بداخله بذور الشر التي تفجرت حين مسه اليأس بعد تشخيص مرضه المميت فأطلق وحش "الهايزنبيرغ" الكامن في نفسه من البداية بصورة تدريجية.


Advertisements


ردود الفعل غير المتوقعة

ردود-الفعل-غير-المتوقعة
© 2008 DC Comics/Warner Bros. Pictures. All Rights Reserved.

يسهل توقع ردود أفعال الأبطال -في السينما والدراما التلفزيونية- على الدوام، يمكنك المراهنة منذ المشهد الأول على ما سوف تُقدم عليه شخصية مثل "جيمس بوند" أو "إيثان هانت" في الثلث الأخير من الفيلم، ذلك لأن مقومات بناء شخصية البطل تفرض عليها توجهاً محدداً، فتلك الشخصيات دائماً مُحاصرة داخل إطار أخلاقي لا تتخطاه، لكن بكل يقين لا يمكننا قول الشيء نفسه عن شخصيات الخصوم فهم عادة لا يمتلكون خطوط حمراء، ولذلك دائماً ما تكون الشخصيات الشريرة هي المُحرك الرئيسي للأحداث في مرحلة الذروة.

يمكن تبين ذلك من شخصية القاتل في فيلم Seven فرغم تأخر ظهوره إلا أنه كان السبب الرئيسي في تسارع وتيرة الأحداث وزيادة تعقيدها طوال الأحداث وخاصة بالنصف الثاني من الفيلم، كذلك قامت شخصية "ستانسفيلد" التي جسدها باقتدار "غاري أولدمان" في فيلم Leon: The Professional بأمر مماثل، وهو ما ينطبق أيضاً على "الجوكر" في فيلم The Dark Knight الذي تولى زمام الأمور بنصف الفيلم الثاني بإقدامه على تصرفات خارجة عن التوقعات زادت جرعة الإثارة بينما تحول البطل الرئيسي "باتمان" لمجرد رد فعل لأفعاله.

تكوين شخصية الشرير وما يتسم به عادة من غرور ودهاء يجعله أكثر قابلية للخروج عن المألوف والإقدام على أفعال -برغم توافقها مع طبيعته- تكون عادة بعيدة كل البعد عن التوقع، مما يعني أن شخصيات الأشرار غالباً ما تكون أقل ظهوراً لكنها في ذات الوقت تكون الأكثر تأثيراً في مجرى الأحداث، مما يجعلها أكثر قدرة على لفت الأنظار وجذب الانتباه.


Advertisements


الفلسفة الخاصة والغريبة

الفلسفة-الخاصة-والغريبة
© 2018 Marvel Studios. All Rights Reserved.

يمتلك الأشرار دائماً فلسفة خاصة قد تكون غريبة بل قد تكون أقرب إلى الشطط لكنهم في النهاية يمتلكون منطقاً حتى لو كان فاسداً، وهذا أيضاً من بين العوامل الرئيسية التي تجعل الشخصيات الشريرة في السينما والدراما ملفتة للنظر ومثيرة للاهتمام، إذا نظرنا إلى أي شرير شهير في تاريخ السينما سوف نجد حتماً أنه يمتلك فلسفة غريبة تتجسد في الهدف الذي يسعى إليه.

يمكننا أخذ شخصية "ثانوس" من عالم مارفل السينمائي مثالاً على ذلك، فهو يسعى إلى تحقيق هدف نبيل -من وجهة نظره على الأقل- وهو إعادة التوازن إلى الكون وإن تطلب ذلك إبادة نصف مظاهر الحياة، صدق أو لا تصدق فإن "ثانوس" برغم كل أفعاله المجنونة كان يسعى لإنقاذ مستقبل البشرية!.. أما "الجوكر" في فيلم The Dark Knight كان يهدف من وراء جرائمه لإثبات صحة وجهة نظره بأن الجميع يحملون جانباً مظلماً، كما أنه بشكل ما كان يحاول من خلال جرائمه مُعاقبة مدينة جوثام على فسادها، يبدو في ذلك شيء من التضارب لكنك ستراه منطقياً تماماً إن تناولته من منظور "الجوكر".

حققت شخصية "البروفيسور" في مسلسل La Casa de Papel نجاحاً كبيراً وهو أيضاً من الشخصيات الشريرة التي تمتلك فلسفة خاصة، فهو شرير يُلبس ذاته ثوب البطولة ليبرر أفعاله لنفسه قبل أن يبررها لأعضاء فريقه، فقد كان يردد دائماً بأن خطته لن تضر أي شخص حيث أنهم -نظرياً- لن يحصلوا على مال مملوك لأي شخص وأنَّ سطوهم على دار سك العملة لن يتضرر منه أحد.
Advertisements


خذوا الحكمة من أفواه الأشرار

خذوا-الحكمة-من-أفواه-الأشرار
© 2002 Miramax/Lionsgate. All Rights Reserved.

إذا عملنا على جمع أشهر الجمل في الأفلام والمسلسلات سوف نجد أن معظمها قد ورد على لسان شخصيات الأشرار، هذا بكل تأكيد ليس من قبيل المصادفة، إنما يرجع إلى الطبيعة المركبة لتلك الشخصيات وما تحمله من تعقيدات وما تتصف به من سمات مثل الثقة المتزايدة لحد الغطرسة، كل هذا ينعكس بالضرورة على الجمل الحوارية الخاصة بها والتي قد تحمل قدراً من الغرابة والتفرد في آن واحد وكذلك طريقة إلقائها.

يرى الأشرار -كما أشرنا- الواقع من منظور مختلف هو السبب المباشر فيما صاروا عليه، وهذا يُساعد الكتاب على المجئ بعبارات أكثر عمقاً وجزالة على ألسنتهم، مما يضفي على حوارهم جاذبية آخاذة خاصةً إذا جاءت مُقترنة بأداء تمثيلي مُبهر، يمكن الاستدلال على ذلك بحوار شخصية "بيل الجزار" التي قدمها "دانيال داي لويس" بفيلم Gangs of New York أو شخصية "جون ميلتون" لـ"آل باتشينو" بفيلم The Devil’s Advocate وغيرهم الكثير، فالأشرار دائماً أكثر جاذبية حين يصورون معاناتهم أو يعبرون عن سخطهم وحين يتوعدون وحين يتهكمون.
Advertisements


معقدون دائماً وأبداً

معقدون-دائماً-وأبداً
© 1972 Paramount Pictures. All Rights Reserved.

النتاج الطبيعي للعوامل السالف ذكرها -بالأخص الشق الخاص بتاريخ الشخصية- أن تكون الشخصيات الشريرة أكثر تعقيداً مقارنة بشخصية البطل التي تكون في كثير من الأحيان أحادية التكوين، فالشرير يأتي مُحملاً بكثير من التناقضات التي تجعل شخصيته أكثر إثارة وثراءً في آن واحد، يمكن أخذ شخصية "فيتو كورليوني" من رائعة The Godfather مثالاً على ذلك لما تتسم به من ازدواجية حادة، تتجلى في التباين الواضح بين طبيعته كرب أسرة مُخلص وحنون وبين أسلوبه في إنجاز أعماله باعتباره أحد أباطرة الجريمة.

برزت شخصية "برلين" في مسلسل La Casa de Papel لما تتسم به من تعقيد نفسي، فهو -على نقيض "البروفيسور"- شرير متصالح مع نفسه يُسمي الأشياء بمسمياتها ويُقر بأنه مجرماً لكنه أيضاً يمتلك فلسفته الخاصة، فهو يبرر أفعاله بأن ذلك ما يجيده وما خُلق لأجله حتى أنه يصف عملياته الإجرامية باللوحات الفنية ولديه إصرار على إنهاء لوحته الأخيرة رغم علمه بأنه لا يمتلك الوقت لجني ثمارها!

تعد شخصية القاتلة المتسلسلة "كاثرين تراميل" في فيلم Basic Instinct أيضاً مثال رائع على التعقيد النفسي للشخصيات الشريرة، وهي الشخصية التي قدمتها "شارون ستون" وكانت سبباً رئيسياُ في سطوع نجمها. بشكل عام يمكن القول بأن الشخصيات الشريرة الأكثر شهرة ونجاحاً كانت هي الأكثر تعقيداً من الناحية النفسية، والأمثلة على ذلك بالغة التعدد، على سبيل المثال وليس الحصر شخصية الممرضة "ريتشيد" في فيلم Once Flew Over the Cuckoo’s Nest وشخصية "دارث فيدر" في سلسلة أفلام Star Wars أو شخصية "تي باج" في مسلسل Prison Break وبالطبع شخصيتي "والتر وايت" و"جيسي" في مسلسل Breaking Bad.

2 من التعليقات

عرضاخفاءالتعليقات
الغاء