فيلم "انترستيلار" أو السفر البينجمي أو السفر الى ما وراء النجوم، فيلم من إخراج "كريستوفر نولان" صدر سنة 2014، قصته هي أن البشر أفرطوا في استغلال موارد كوكبنا الى حد أصبح يُحتضر، ولم يَعُدْ قادرا على توفير الحياة، فأصبح تكسوه الرمال والغبار...، وبالتالي الحل يكمن في إيجاد عالم آخر يمكنه توفير حاجيات الحياة، عن طريق السفر إلى الفضاء والبحث عن هذا الكوكب.

Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment

في هذا المقال سنحاول أن نشرح الغموض الذي قد يواجهه البعض مع الفيلم لكن قبل أن تشاهد الفيلم أو تقرأ هذه التفاصيل، يجب أن تكون لك دِراية بالعديد من المفاهيم والنظريات العلمية، مثل نظرية آينشتاين نظرية النسبية العامة، قانون التفرد، شفرة مورس، الأُفُق، الثقب الأسود، الثقب الدودي، ميكانيكا الكم، نظام العد الثنائي. بدون معرفة وفهم هذه النظريات والقوانين ستسقط في الارتباك وبالتالي قد ينتهي بك الأمر ببعض الغموض في القصة، لذا خذ وقتك واستوعبها جيدا.

الفيلم صعب جدا شرحه بدون حرق الكثير من تفاصيل القصة بالنسبة لمن لم يشاهده بعد، لذا فما سيأتي في هذا المقال موجه للذين شاهدوا الفيلم أو للذين لا مشكلة عندهم إن قرؤوا عنه قبل مشاهدته.

Advertisements


Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment
أولا سننطلق بالقصة وسنركز أكثر على النهاية لأنها تعتبر مفتاح الفيلم، بمعنى أن كل الغموض الذي كان يُطرح منذ البداية، النهاية هي مفتاحه.
مثلا من هو ذلك الشبح الذي كانت تتكلم عنه الابنة مورف؟ إنه أبوها كوبر بطبيعة الحال (تابع القراءة الى النهاية لتستوعب جيدا). من هم أولئك الذين قصد بهم البروفيسور براند؟ والذين ظن الرواد أنهم كائنات سامية جدا من بعد خامس، حيث هم من وضعوا ذلك الثقب الدودي في متناول البشر من أجل استغلاله للبحث عنهم؟ الجواب بسيط إن ركزت في الفيلم جيدا، إنهم هم نفسهم الرواد والبشر، يعني في يوم ما سيصل البشر الى مستوى كبير من التطور والذكاء، عندها سيضعون أو سيخلقون ذلك الثقب الدودي في متناول البشر لاستغلاله في الماضي، وأن كوبر هو نفسه من أرسل نفسه في تلك الرحلة إلى الفضاء وهذا مشروح جدا في نهاية الفيلم إن ركزت جيدا.


Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment
ننتقل لشيء آخر أكثر إرباكا في القصة: الخطة (أ) والخطة (ب).
تعتبر الخطة (أ) تحدي كبير بالنسبة للرواد وللبروفيسور براند، فمغزاها هو إيجاد كوكب يمكنه توفير الحياة للبشر. لكن ماذا لو تحقق هذا ووجدوا الكوكب المنشود؟ ماذا بعد؟ المشكل يكمن في الجاذبية، كيف يمكن نقل أولئك البشر الذين لايزالوا يعيشون على الأرض إلى هذا الكوكب المنشود، فالرواد والبروفيسور براند لم يجدوا بعد حل لمشكل الجاذبية. هنا عندما قال البروفيسور لكوبر أن المطلوب منه أن يجد فقط هذا الكوكب أما الباقي فسيتكلف به، أي حل مشكل الجاذبية أو حل المعادلة التي كان يعمل عليها لإخراج البشر من على كوكب الأرض إلى الكوكب المنشود.


Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment
أما الخطة (ب) فمغزاها هو إنشاء مستعمرة بشرية على الكوكب الذي سيجدونه عن طريق البيوض المخصبة التي أخذوها معهم، هذه المستعمرة ستكون بداية أمل جديدة للبشرية، لكن للأسف بهذه الخطة سيكون مصير البشر الذين على كوكب الأرض هو الانتظار بدون أمل.

لكن هذه الخطة (ب) ستكون أولوية فقط في حال فشل إنقاذ البشر الذين هم على الأرض أي فشل الخطة (أ)، لكن الشيء المهم بالنسبة للرواد هو هذه الأخيرة، بمعنى آخر من الضروري إيجاد كوكب للحياة، وفي ظرف هذه المدة التي سيقضونها في البحث سيكون البروفيسور براند قد وجد حل لمعادلة الجاذبية أي إيجاد طريقة لنقل البشر إلى هذا الكوكب المنشود (كما وعد كوبر في البداية).

Advertisements



لكن هناك شيء ناقص في القصة! البروفيسور براند كان يكذب منذ البداية! فهو قد وجد حل لمشكل الجاذبية (المعادلة) قبل حتى انطلاق الرواد إلى الفضاء، لكن لماذا لم يخبرهم؟ الأمر يكمن في أن الحل الذي وجده لا يمكن تطبيقه على وجه الواقع، المعادلة لم تستطع أن توافق بين نظرية النسبية العامة وميكانيكا الكم، ولهذا لم يخبر الرواد، لأنه كان قد اتخذ قرار مسبقا بالاستغناء عن البشر الذين يعيشون على الأرض في مقابل استمرارية الجنس البشري، أي أن هدفه منذ البداية كان هو الخطة (ب)، حيث لو أخبر الرواد بالأمر لربما لن يشرعوا في الرحلة إلى الفضاء ويتركوا عائلاتهم ورائهم، بالخصوص كوبر الذي ترك أطفاله ورائه آملا في إنقاذهم، في إيجاد كوكب منشود، والرجوع إليهم.


Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment
شيء آخر قد يكون مربكا أيضا وهو أن في البداية تم إرسال 12 رائدا في 12 مهمة بحث (مهمات لازاروس)، قبل 10 سنوات من إرسال البعثة التي سيقودها كوبر، للبحث عن كوكب يمكنه توفير الحياة بقيادة الاستثنائي الدكتور مان (كما هو مشار إليه في الفيلم)، وفي حالة وجد أيٌّ من الرواد 12 الكوكب الذي سافر إليه أنه ممكن للحياة البشرية، عندها سيرسل إشارة رجوعا من خلال الثقب الدودي إلى الأرض، لكن 3 فقط من هؤلاء الرواد نجوا! وهم فقط من أرسلوا إشارة إلى الأرض بأنهم وجدوا كوكبا منشودا.

Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment

الكوكب الأول الذي توجهت إليه بعثة القائد كوبر هو كوكب الرائدة البيولوجية "لورا ميلرز"، وبسبب قُرب تمركز هذا الكوكب من قوة جاذبية الثقب الأسود (جرجنتوا) فإن نتيجة هذا التأثير هو أن كل ساعة واحدة تمر على هذا الكوكب يقابلها 7 سنوات على كوكب الأرض. لذا عندما رجع كوبر وبراند إلى محطة المدار "الاندورنس"، حيث تركوا هناك الرائد رومَلي، وجدوا أن هذا الأخير قد مرت عليه 23 سنة تقريبا! ومع ذلك لم يكن هذا الكوكب بالمستوى المطلوب من التأهيل، يتواجد به هيدروكربونات ومواد عضوية فقط، لكن من المستحيل العيش فيه.

من هذه النقطة سيتوجب عليهم أن يختاروا بين الذهاب إلى كوكب "الدكتور مان" أو إلى كوكب "الرائد إيدمند"، لأن مخزونهم من الوقود لم يعد كافي لزيارة الاثنين. هنا، يكبر المشكل، الكوكبان يرسلان إشارتين واعدتين بوجود أمل للحياة البشرية عندهم، بعد نقاش بين القائد كوبر، الرائد روملي والعالمة براند (اميليا) سيقررون الذهاب إلى كوكب الدكتور مان.


Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment
الكوكب الثاني، كوكب "الدكتور مان"، هنا سيجد القائد كوبر وبعثته شيء مريب حول هذا الكوكب، "الدكتور مان" ليس أهلا للثقة! فقد كان يكذب حول إشارته، كوكبه غير مؤهل للحياة البشرية، لكن لماذا؟ "الدكتور مان" هذا لم يكن هو الآخر هدفه الخطة (أ)، لأنه كان يعلم أنها مستحيلة التطبيق، بمعنى أن حل مشكل الجاذبية لم يكن ممكنا، حينها أخبرهم أن "البروفيسور براند" كان قد وجد حل لمشكل الجاذبية منذ البداية وكذب هو أيضا عليهم لأن هدفه أيضا لم يكن الخطة (أ) وإنما الخطة (ب)، الاستغناء عن البشر الذين هم على كوكب الأرض والبدء من جديد مع الجنس البشري بالمستعمرة. هنا سيقرر كوبر، مع فقدان الأمل في إنقاذ البشرية، الرجوع إلى كوكب الأرض، إلى أولاده، وستتحول أحداث الفيلم من جديد...

Advertisements



Image: Interstellar - Courtesy of Paramount Pictures/Warner Bros./Syncopy/Legendary Entertainment
الكوكب الثالث، حيث يوجد الفيزيائي "ولف ايدمندز"، الذي هو حبيب أو صديق... الدكتورة براند (أميليا). بعد فشل الأمور على الكوكب الثاني، سَيُعِيد كوبر التفكير ثم سيتجه مع أميليا إلى كوكب "الفيزيائي إيدمندز"، لكن فجأة ومرة أخرى يقرر كوبر ترك أميليا تذهب لوحدها إلى كوكب صديقها وسيتجه هو إلى داخل الثقب الأسود، عندها سيحدث ما هو أكثر غرابة وأعجوبة على الإطلاق. سيكتشف كوبر أن من وضع ذلك الثقب الأسود هناك خصيصا له ولابنته مورف هم البشر نفسهم لكن عندما يصلون إلى مستوى كبير من التطور في المستقبل، حتى يتسنى لكوبر الصعود إلى الفضاء في الماضي وينقذ الجنس البشري، كما سيكتشف أيضا داخل هذا الثقب الأسود حياة ابنته بالكامل، وهنا سيُتاح له أن يتواصل معها من خلال الزمن والمكان باستعمال الجاذبية، حيث كما في بداية الفيلم سيكون هو من يقذف كتبها في غرفة نومها من أعلى الرف إلى الأرض، وإذا ركزت جيدا في البداية فقد أخبرها أن ذلك الشبح الذي كانت تظنه كان في الواقع الجاذبية.

قضية المستقبل وعلاقته بالماضي نجدها في العديد من الأفلام التي تصب في نفس النوع السينمائي، مثلا في ثلاثية أفلام "الرجوع إلى المستقبل Back To The Future" التي صدرت في ثمانينيات القرن الماضي تعاملت مع هذا المفهوم الذي قد يبدو غير منطقي إذا أمعنت التفكير به، كيف أن شخص من المستقبل يسافر عبر الزمن إلى الماضي ويغير فيه شيء حتى يؤمن هذا المستقبل، رغم أن مفهوم السفر عبر الزمن ليس موضوع فيلم Interstellar لكنه يشارك نفس فكرة المستقبل وعلاقته بالماضي التي قد نقول عنها أنها تعاني من بعض الهفوات، وأكبر مثال واقعي على هذه الفكرة هو الحلقة المفرغة، أو الدائرة التي لا تمتلك لا بداية ولا نهاية.
أفلام أخرى تشارك نفس الفكرة: ...Predestination (2014), Triangle (2009), Timecrimes (2007)

إذا سيتواصل معها ليرسل لها إحداثيات شركة ناسا حتى يتسنى له هو من أصل القصة الصعود إلى الفضاء والوصول إلى هذا الحد، سيرسل لها أيضا تلك الحقائق أو المعلومات التي استخرجوها من داخل الثقب الأسود والتي كان يحتاجها البروفيسور براند منذ البداية من أجل الخطة (أ) (حيث بدونها فَقَدَ الأمل وركز على الخطة (ب)) ليتمكن من التوفيق بين نظرية النسبية وميكانيكا الكم، ويتسنى لهم نقل البشر من كوكب الأرض. هذا كله أرسله كوبر بواسطة قانون العد الثنائي (النقط والشرط) بمساعدة الروبوت "تارز" إلى اليد الثانية من ساعة مورف التي أعطاها لها عندما كان سيرحل للفضاء.

Advertisements



ثم بعد تحقق كل هذا، سيتمكن الجنس البشري من النجاح وسيلتقي كوبر بابنته، لكن سيجد أنه مر عليها الدهر وأصبحت عجوز ولديها عائلة كبيرة وهو بالكاد ازداد عمرا لذا لم تعد تحتاجه. بعدها يقرر كوبر الذهاب إلى الكوكب الذي اتجهت له الدكتورة براند (أميليا)، لأن في الحقيقة الجنس البشري لم ينجوا بمعنى الكلمة وإنما وجد حلا لنقله من كوكب الأرض إلى محطات ومركبات فضائية بانتظار الذهاب إلى هذا الكوكب الذي وجدته الدكتورة براند.

بالنسبة لهذا الكوكب الثالث الذي اتجهت له الدكتورة براند هو في الحقيقة الكوكب المنشود والذي سيتجه له الجنس البشري الذين هم على تلك المحطات، لكن ما الذي حدث لصديقها الفيزيائي "ولف ايدمندز" الذي اتجه إليه منذ البداية؟ الأمر هو أن الفيلم يتركنا بنتيجة ويبقى لنا الاختيار في سبب هذه النتيجة. نرى في مشهد النهاية أن براند تقوم بدفنه، لذا نستنتج أن سبب موته يبقى مفتوح التخمين، إما مر عليه الزمن حتى شاخ وتوفي (طول الزمن يختلف بشكل ساحق بين كل مكان من الكون) أو طرأ له حادث...

على أي حال فقد أصبحت براند وحيدة على ذلك الكوكب، وقد قامت ببناء المستعمرة (الخطة ب) لوحدها، وبالتالي فنهاية الفيلم تحقق فيها الاثنين الخطة (أ) والخطة (ب).

أخيرا، ما يمكننا قوله عن هذا الفيلم هو أن الكلمات تعجز عن الوصف، أفضل ما جادت به السينما، تحفة فنية جد سامية، الفيلم بدون شك سيبقى ليناقش لسنين.