يبقى فيلم Blade Runner الأب الروحي لأفلام الخيال العلمي ومنبع المخرج Ridley Scott، حيث كان ولازال يعتبر هذا الفيلم المدرسة الأولى لأغلب أفلام الخيال العلمي التي جاءت بعد تلك الفترة وحتى أفلام الزمن الحاضر كأفلام The Matrix, Dark City... كما يبقى الفيلم من أكثر الأعمال السينمائية جدلا في التاريخ بسبب العمق الفلسفي والوجودي الذي يناقشه. فعلى مر السنين بعد أن صدر، لازال رواد السينما يتجادلون في نقاشات ومناظرات حول ماهية هذا الفيلم والمعنى الحقيقي وراءه.

.Image: Blade Runner - Courtesy of Warner Bros

ما هي قصة الفيلم أولا؟

تدور قصة الفيلم حول ضابط شرطة إسمه Rick Deckard يقوم بمطاردة وقتل روبوتات تشبه البشر في كل شيء، لكنها ليست ببشر أو ما يسمى في الفيلم بـ Replicants. يقوم هذا الضابط بإنهاء حياة هذه الآلات البشرية لأنها قامت بتمرد وتبحث عن خالقها الأصلي Tyrell ليزيد من مدة حياتها بعدما اكتشفت أن لها تاريخ قصير ومحدد من الزمن تموت من بعده. 

Advertisements



أين تجري أحداث الفيلم؟

تجري الأحداث في مدينة لونس أنجلوس الأمريكية التي تُصور على أنها مدينة تكنولوجية صناعية في عالم بائس dystopian، حيث الأغنياء من البشر انتقلوا للعيش في العالم الآخر الذي يوجد في الفضاء، أما البشر الفقراء والميؤوس من حالهم فمأواهم هو تلك الأرض البائسة الغير صالحة للعيش. هناك أيضا ذلك الهرم الضخم الذي يعتبر المقر الرئيسي لشركة تيريل Tyrell Corporation والتي تعتبر صانع تلك الآلات الشبه بشرية Replicants.

.Image: Blade Runner - Courtesy of Warner Bros

النطاق الزمني لقصة الفيلم؟

تجري قصة الفيلم في العام 2019 حيث وصل للبشر لمستوى خطير من الصناعات التكنولوجية التي لوثت الحياة بالغازات السامة والمضرة، وأصبح فقط للنخبة والطبقات البرجوازية من البشر السفر والعيش في العالم الآخر Off-world. وبالنسبة للجزء الثاني الذي صدر هذه السنة Blade Runner 2049 فتجري أحدثه بعد 30 سنة في العام 2049.

Advertisements



ما قصة تلك الإعلانات المرئية الضخمة؟

تلك الإعلانات الضخم والمركبات العملاقة الإشهارية التي نراها على طول أحدث الفيلم تروج لحياة الرفاهية التي يمكن للبشر الحصول عليها في العالم الآخر غير كوكب الأرض، العالم الذي يتواجد في الفضاء والكواكب الأخرى. فالحياة على كوكب الأرض لم تعد تصلح للحياة وأصبح أغلبها مناطق صناعية، وبسبب الإشعاعات الغير صحية إنتقل أغلب البشر إلى تلك المستعمرات المتواجدة في الكواكب الأخرى أو ما يسمى في الفيلم بـ Off-world.

فالعالم الذي تجري فيه قصة الفيلم، أصبح بإمكان البشر السفر للفضاء والوصول واستعمار كواكب أخرى، بالإضافة إلى إختراع هذه الآلات الشبه البشرية Replicants التي دورها الأساسي هو خدمة البشر أو بمعنى آخر "عبيد للبشر".

.Image: Blade Runner - Courtesy of Warner Bros

ما قصة هذه الآلات الشبه بشرية Replicants؟

بعدما اخترعت شركة Tyrell Corporation هذه الآلات الشبة بشرية من أجل خدمة البشر في العالم الآخر Off-world، قامت مجموعة منهم (أربعة بالظبط) بالقيام بتمرد بعدما اكتشفوا أن دورهم الوحيد في ذلك العالم هو خدمة البشر وبعد مدة من الزمن تنتهي صلاحيتهم فيتم التخلص منهم. 

وكما رأينا في الفيلم، هذه الآلات أصبحت تستوعب وجودها أو بمعنى آخر أصبحت تطور ضمير أو وعي، لذلك قررت أن تخرج عن هذه الطاعة للبشر. هنا يأتي دور بطل الفيلم Rick Deckard من أجل القضاء عليهم، لأن شركة Tyrell Corporation أصبحت تعي أنهم أصبحوا خطر على البشر ولم تكن تعتقد أنه من الممكن أن يطوروا وعي يدركون به وجودهم، لذلك تم إعلانهم مخلوقات غير شرعية خطيرة وجب إنهاء صلاحيتهم.

ما الذي يعنيه عنوان الفيلم Blade Runner؟

الجواب على هذا السؤال له قصة طويلة، فالفيلم هو مبني على رواية إسمها ?Do Androids dream of Electric Sheep بمعنى "هل الروبوتات تحلم بخرفان كهربائية؟" للكاتب Philip K. Dick، وهذا العنوان اعتبره المخرج "ريدلي سكوت Ridley Scott" غير مثير وجذاب بالنسبة لفيلم سينمائي. لذلك عين سكوت كاتب الفيلم Hampton Fancher بالبحث عن عنوان آخر.
فقدّم Fancher عنوان Blade Runner، المخرج سكوت أعجبه العنوان واعتبره جذاب جدا، فسأل عن مصدره؟ أجاب Fancher أنه عنوان رواية قصيرة بإسم Blade Runner: A Movie للكاتب William S. Burroughs. (هذا الحوار كان قد جرى بين المخرج ريدلي سكوت وأحد كتاب سيناريو الفيلم Hampton Fancher في سنة 1980 أثناء المراحل الأولى للإعداد لتصوير الفيلم)

هذه القصة القصيرة كانت عبارة عن قصة أولية كانت ستُحول من بعد لفيلم، وهي بدورها مبنية على رواية أخرى طويلة إسمها The Bladerunner للكاتب Alan E. Nourse، والتي تدور حول قصة رجل يقوم بالمتاجرة في الأدوية والخدمات الطبية بطريقة غير قانونية في عالم أصبح الوصول فيه لهذا النوع من الخدمات صعب جدا وغير متوفر للجميع. حيث يقوم هذا الشخص بتهريب الأدوية والمعدات الطبية بطريقة غير قانونية، ووُصف هذا الفعل في هذه الرواية بالمخاطرة. هنا يتبلور معنى الكلمتين Blade Runner.

فكلمة Blade تعني شفرة حادة، وفي الرواية تعني شخص يخاطر بحياته وكأنه على حافة شفرة حادة، إذا تم القبض عليه سيكون كأن حافة الشفرة أصابته، فهو يخاطر بحياته في منطقة حادة أو خطيرة، وبالنسبة لـ Runner فتعني الهارب أو المهرّب.

أما بالنسبة لعلاقة هذا العنوان بالفيلم، فالمخرج ريدلي سكوت استعمله لأن بطل الفيلم يقوم بمهمة خطيرة مثل ذلك الشخص الذي يقوم بالتهريب، فهو يبحث ويقتل تلك الآلات أو الروبوتات الشبه بشرية والتي تعتبر أقوى من البشر جسديا، لذلك مهمته تعتبر وكأنه على حافة شفرة حادة، إذا أخطأ فلن ترحمه.

ما الذي يعنيه حقا الفيلم؟

الفيلم يحتوي على معاني فلسفية ووجودية كثيرة جدا، وقد تواصل الجدال حول هذه الأمور منذ صدور الفيلم سنة 1982 لحد الآن، فمثلا هناك من يعتبر الموضوع أو الفكرة العامة التي يناقشها الفيلم هي تمرد المخلوق على الخالق، حيث كما نرى في الفيلم تلك الأربع الروبوتات الشبه بشرية Replicants التي تبحث عن الذي خلقها من أجل أن يزيد من مدة صلاحية حياتها أو يجعلها خالدة بعدما اكتشفت أنها تتوقف عن العيش بعد مدة معينة.

هناك أيضا فكرة السيطرة والتحكم، فمثلا هناك من يعتبر تلك العين التي نراها في بداية الفيلم وذلك الهرم الذي يعتبر المقر الرئيسي لشركة Tyrell كعنصر التحكم في الشعب، فنحن نعرف أن رمز العين والهرم يمثل السلطة أو القوة على كل ما هو أسفل ووجب التحكم فيهم.

.Image: Blade Runner - Courtesy of Warner Bros

.Images: Blade Runner - Courtesy of Warner Bros

هناك آخرون يعتبرون مفهوم تلك العين على أنها نافذة الروح والهوية البشرية، وبما أن تلك الآلات الشبه بشرية Replicants لا تتوفر على روح فهي بلا هوية. وهذا له علاقة بالرواية المبني عليها الفيلم ?Do Androids dream of Electric Sheep "هل الروبوتات تحلم بخرفان كهربائية؟"...

Advertisements


نهاية الفيلم، ما الذي تعنيه وما الذي حدث؟

نهاية الفيلم تعتبر من أكثر الأمور إثارة وغموضا في الفيلم بأكمله، فقبل النهاية كان بطل الفيلم الضابط Rick Deckard في طريقه للمغادرة مع تلك المرأة Rachael (والتي بالمناسبة تعتبر ربوبت شبه بشري Replicants لكنها لا تعلم ذلك) ثم بالصدفة يعثر على أحادي قرن مكون من قصاصة ورقية مرمية على الأرض.



 
هذا المشهد يعتبره الكثيرين إشارة ضمنية على أن الضابط Deckard هو نفسه روبوت شبه بشري Replicant لكنه لا يعلم ذلك، والشخص الذي رمى ذلك الأحادي القرن الورقي على الأرض هو Eduardo Gaff ضابط Blade Runner سابق متقاعد، لأن هواية هذا الأخير هي صناعة الأشكال من القصاصات الورقية.

 

لكن قبل ذلك يجب أن نعرف جميعا أن بطل الفيلم Deckard قد حلم في بداية الفيلم عن الحيوانات الأحادية القرن (مشهد الحلم هذا لا يوجد في جميع نسخ الفيلم، يجب أن تشاهد نسخة Director's Cut أو نسخة Final Cut). إذا كيف علم الضابط السابق Eduardo Gaff على أن البطل يحلم بهذه المخلوقات لكي يصنع تلك القصاصة الورقية عند النهاية ويرميها على الأرض؟

Advertisements


  
الجواب البديهي لهذا السؤال هو ان البطل Deckard عبارة عن "آلة أو روبوت شبه بشري Replicant" لكنه لا يعلم ذلك، وذلك أن شركة Tyrell وذلك الضابط السابق هم من يتحكمون في هذه الروبوتات، بمعنى أنه عندما يخلقونهم يزرعون لهم الذكريات ونوع الأحلام التي سيحلمون بها... بمعنى يجب أن يبقوا تحت تحكمهم.


بدون شك، هذه المعاني تبقى تأويل قابل للخطأ، فكل شخص يرى الفيلم من منظوره الخاص، لذا شارك معنا رأيك لهذه التحفة الكلاسيكية وما الذي تراه من وراء المعاني الضمنية للفيلم.