يتمحور فيلم "العدو" حول تداخل حياة شخصين يتشابهان بشكل كبير إلى درجة التطابق، من تشابه في نبرة الصوت إلى امتلاك كل منهما على ندبة ولادة متطابقة متواجدة في نفس المكان. الأول اسمه أدم بيل، أستاذ جامعي في مادة التاريخ، الثاني اسمه أنثوني كلير وهو ممثل. بعد أن لمح "أدم بيل" "أنثوني كلير" في فيلم شاهده بالصدفة، تبدأ رحلة البحث عنه ليكتشف أشياء غامضة ومرعبة.

Enemy فيلم العدو

صدر الفيلم سنة 2014 وهو من إخراج "دينيس فيلنوف" وسيناريو من كتابة "خافيرغولن"، ومبني على رواية تحت اسم"المزدوج" من كتابة "خوسي سرمغو"، الفيلم من بطولة الممثل "جايك جيلينهول" الذي قام بالشخصيتين الرئيسيتين.

يعتبر هذا الفيلم من النوع الذي يستعصي فهمه على المشاهد، وذلك إما لاحتوائه على أفكار فلسفية أو وجودية الخ...، أو يحتوي على أفكار بسيطة لكنها معقدة التركيب. لكن توجه هذا الفيلم يصب في الفئة الأولى، نظرا لما يحاول أن يوصله من أفكار، حيث سنحاول أن نناقشها في هذا المقال من خلال بعض الأسئلة التي تحول دون فهم الفيلم، أبرزها: علاقة العنكبوت وظهورها في العديد من مشاهد الفيلم، بالخصوص لقطة النهاية؟ ما تفسير الشخصيتين الرئيسيتين المتطابقتين؟


Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

يبدأ الفيلم بحوالي دقيقتين فنرى شخصيتنا تحمل مفتاح متجهة إلى مكان يبدو وكأنه سري، بعد الغوص في المشهد نكتشف أننا داخل جلسة سرية للجنس، مكان يجتمع فيه العديد من الرجال ليشاهدوا فتيات يمارسن الاستمناء ويستمتعوا بالجنس... نستنتج أنه مكان يهرب إليه الرجل من مشاكل العالم الخارجي من أجل الاستمتاع، رغم أن معظمهم ـ من خلال سنهم ـ متزوجين !
وهذا ما يحدث مع شخصيتنا (شخصية الممثل أنثوني)، فطريقة تعامله مع زوجته يبين لنا أنه تعيس، لا نرى أبدا بوادر السعادة على ملامح وجهه على طول الفيلم.

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

بالنسبة للعنكبوت التي تظهر في عدة أماكن من الفيلم:

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

إن التفسير المنطقي للعنكبوت هو أنه يمثل المرأة أو النساء عامة، حسب ما يحاول الفيلم تمريره من أفكار، لكن كيف ذلك؟ لفهم هذا التفسير يجب أولا أن نفهم العنكبوت، وسنتكلم بالخصوص عن العنكبوت الأنثى وليس الذكر الذي يسمى العنكب.

العنكبوت هي صنف من العنكبيات وهو فرع من المفصليات. دائما الأنثى هي التي تبني المصيدة الشهيرة بالخيوط وليس الذكر. تستخدم الأنثى هذه الخيوط (التي تعتبر من أقوى المواد في الكون، أقوى من الفولاذ) للقبض على فرائسها. من مواصفاتها أيضا أنها تقتل الذكر مباشرة بعد عملية الإخصاب معه. لكن ما علاقة هذا بالفيلم؟ حسنا... سنحاول القيام ببعض الإسقاطات ونرى أين تكمن العلاقة.

ذكرنا مصيدة الخيوط التي تنسجها الأنثى للإيقاع بفرائسها، إذا رجعنا إلى لفيلم سنكتشف أن الشخصية الرئيسية (قلت شخصية واحدة وليس اثنتين! سأشرح هذا الأمر لاحقا) تعتقد أو يعتقد أن المرأة هي عدوه وتحاول دائما أن تتحكم في حياته، ولدينا لقطات من الفيلم تصور قضية مصيدة الخيوط هذه. قارن معي هاتان الصورتان لمصيدة عنكبوت:

Google :المصدر


 :مع هاتان الصورتان من الفيلم
Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

الفيلم دائما يصور لنا أن الشخصية الرئيسية تعيش في عالم يعتبر مصيدة تتحكم فيه العنكبوت، أو بالأحرى المرأة!

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International
لدينا مثلا هذا المشهد في بداية الفيلم يوضح تماما أن العنكبوت مفسرة على أنها المرأة:

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International
Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

لنمعن النظر في هذا المشهد الجوي من الفيلم (على اليسار) للمكان أو الحي الذي تعيش فيه شخصيتنا الرئيسية بالمقارنة بهذه الصورة على اليمين:



ولنذهب أيضا إلى مشهد جد مهم عند التوقيت 00:12:12، تأتي الفتاة وتقوم بشرب ما تبقى من شرابه في الكأس، ثم تحاول أن تغريه ليذهب معها إلى الفراش من أجل الجنس، بينما هو في خضم تصحيح أوراق امتحانات طلابه:

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

بالنسبة للعديد فهذا المشهد يعتبر عادي جدا، لكن بالرجوع إلى موضوع الفيلم فهذا المشهد له إيحاءات عميقة... من قبيل أن الفتاة عندما شربت له شرابه فقد استولت له على شيء يخصه، ثم بعد ذلك حاولت إغوائه بالجنس! وهذا في نظر الشخصية أصبح تحكما في حياته، نعم هو يعرف أن الجنس شيء طبيعي في الإنسان ولا مفر منه، لكن إن أرادت هي أن تمنعه من ذلك فهو الخاسر، وبالتالي فالمرأة هنا أصبحت شيئا ملزما في حياته، ونحن نعرف كيف يصبح الأمر عندما يُلزم عليك شيء ما.
أضف لهذا أن علاقته مع أمه ليست جيدة، فعندما ذهب لرؤيتها من أجل الاستفسار حول وجود شخص يشبهه، كان النقاش بينهما غير توافقي وغير مجدي.

من هنا، إن حاولنا أن نستنتج شيئا من كل هذا فسيكون أنه أصبح يعيش في متاهة، في عالم لم يعد يتحكم فيه، ولهذا عنوان الفيلم هو العدو. لكن هل عرفت من المقصود بالعدو؟

Advertisements


لنذهب لشي آخر أكثرا إقناعا، عند التوقيت 00:05:15 ندخل في مشهد الكلية، وبالضبط داخل حصة التاريخ حيث تقوم شخصيتنا بتدريس هذه المادة، فيبدأ بشرح شيء جد مهم:

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International

Control.
It’s all about control.
Every dictatorship has one obsession.
And that’s it.
So, in ancient Rome,
They gave the people bread and circuses.
They kept the populace busy with entertainment.
But other dictatorship use other strategies to control ideas.
The Knowledge.
How do they do that?
Lower education.
They limit culture.
Censor information.
They censor any means of individual expression.
And it’s important to remember this, that this is a pattern,
That repeats itself throughout history.
التحكم. 
كل شيء متعلق بالتحكم.
جل الديكتاتوريين على مر التاريخ لهم هاجس واحد. 
هذا كل ما يبحثون عنه.
فمثلا، في روما القديمة،
قدموا للشعب الخبز وملاهي السيرك.
أبقوا على الشعب غافلا باستعمال وسائل الترفيه واللهو.
لكن هناك طرق أخرى يستعملها بعض الديكتاتوريين للتحكم في الأفكار.
لتحكم في المعرفة.
كيف يفعلون بذلك؟
عن طريق رداءة التعليم.
خنق الثقافة. 
رقابة المعلومة. 
يمنعون أي وسيلة للتعبير الشخصي.
ومن المهم أن تتذكروا أن كل هذا يعتبر نمط،
حيث يكرر نفسه على مر التاريخ.

Advertisements


إن هذا الحوار بينه وبين طلابه له معاني قيمة وعميقة، خصوصا مع موضوع الفيلم. لذا لكي نفهم جيد العلاقة يجب أن نقوم بإسقاطات، إسقاط عناصر وأسس هذا الحوار على عناصر الفيلم:

الشعب المتحكم فيه هو شخصية الفيلم ادم بيل أو أنثوني كلير.
الديكتاتوريين الذي يتحكمون هم المرأة أو النساء.
وسائل الترفيه... هو الجنس الذي يمكن للمرأة أن تتحكم فيه إن أرادت أن تتحكم في الرجل، حسب الفيلم.
الغاية هي التحكم! وكما يعرف أي إنسان حر، فإن المُتَحَكِم بالنسبة للمتحكم فيه يعتبر دائما عدوا له، وكما قلنا فعنوان الفيلم هو "العدو"، أي المرأة، وليس كما ظن بعض المشاهدين أن المقصود بالعدو هو الشخصية المطابقة الأخرى، فهذه الأخيرة تعتبر عنصر إلهاء انتهجه الكاتب ليُمرر فكرته بطريقة ضمنية غير مباشرة.

نأتي لآخر شيء قاله في الحوار: "أن ذلك يعتبر نمط يكرر نفسه على مر التاريخ"، إذا ألقينا نظرة خاطفة على عجلة تاريخ البشرية وحاولنا أن نجد زمن معين لم يتواجد فيه ديكتاتور يسعى إلى التحكم في الشعب، فغالبا سنجد العكس، فالتاريخ مليء بالديكتاتوريين على جميع المستويات، وهذا لن يتوقف اليوم أو الغد... طالما يوجد العبيد، فوجود الديكتاتور ضروري، لذلك فالأمر مستمر حتى وإن اختلفت الطرق والوسائل الخفية لجعل الشعب مغلوب عليه في غفلة.

لنرجع الآن للفيلم ونحاول أن نجد هذه المعادلة، لكننا إن تمعنا جيدا فإسقاطها ليس صعبا كما يظهر، فنحن نعلم منذ البداية أن استمرارية الكائن البشري تتركز أساسا على ثلاث عناصر أولية: الرجل، المرأة والعملية الجنسية، هذه العناصر الثلاثة تتكرر على مر الزمن من أجل صيرورة الكائن البشري، وهذا بالضبط ما تحاول شخصيتنا قوله من خلال حوارها مع الطلاب. وبالتالي سيضطر للبحث عن حل، الذي سيكون الشخصية الثانية المطابقة له.

قد يبدو هذا الإسقاط لما قاله حول النمط الذي يكرر نفسه على مر التاريخ غريب، لكن هذا التفسير يبقى الأقرب والأكثر واقعية لما يحاول الكاتب إيصاله من أفكار، كما قد يبدو للبعض أن قضية كون المرأة عدوة للرجل هو شيء تافه، لكن نحن لا ندافع على أي شيء هنا، فهذا متعلق بالفيلم ومخرجه.
لكن السؤال الواجب طرحه هنا، هو لماذا المرأة عدوة الرجل؟

Advertisements



دعك من هذا، ولنتابع تفسير الشخصيتين المتطابقتين.
كان قد ذكر مخرج الفيلم "دنيس فيلنوف" في مقابلة تمت معه (توجد على اليوتيوب) أن الدور الذي يلعبه الممثل "جايك جيلينهول" في الفيلم هو دور لشخصية في صراع مع نفسها. كان هذا هو الجواب لسؤال طُرح عليه حول كل هذه الأشياء الغامضة في الفيلم، بمعنى أنه لم يرد أن يتعمق في الشرح، وترك للمشاهدين الفرصة ليحللوا بأنفسهم، وهذا يعتبر نوعا ما ذكاء منه، بمعنى أنه أعطى فقط تلميح حول شخصية الفيلم، لكن هذا لا يعتبر كافي من أجل الخروج بتفسير مقنع، لهذا سنتعمق جيدا في بعض التفاصيل التي تعتبر المفتاح لفهم هذا الغموض.

ما هي مواصفات الشخص الذي يعاني من انفصام في الشخصية؟ إن مرض انفصام الشخصية هو مرض نفسي يعاني منه حوالي 1 في المائة من ساكنة العالم، وهو بالتحديد مشكل اجتماعي، حيث تتغير طريقة تفكير صاحبه بشكل حاد ويظن أنه يعيش في عالم آخر. من مواصفات هذا المرض أن صاحبه يخاف كثيرا ومن أشياء تعتبر طبيعية، أضف لهذا أنه في بعض الأحيان تجده يتكلم مع نفسه ويتخيل وجود أشخاص يحادثهم الخ... كان هذا نوعا ما تلخيص لهذا المرض، بدون تفاصيل طويلة فقط ما نحتاجه لفك شفرة شخصية فيلمنا.

للإشارة فقط، ليس كل من يتحدث وحده يعتبر مصاب بهذا المرض، فجميع من في العالم يتحدثون وحيدا، غير أنه توجد فوارق بين الإنسان الطبيعي والأخر المصاب بهذا المرض التي تحدد الأمر. (سيكون مفيدا لو بحثت جيدا في هذا الموضوع)

لحد الآن بدأت معالم تفسير تطابق الشخصيتين تتضح، أن ما في الأمر هو أنه يعاني من انفصام الشخصية، أي أن الشخصية الثانية هي من نسج خياله، لكن يجب إثبات هذا! تابع جيدا.

عند التوقيت 00:09:26 نجد شخصية "ادم بيل" مدرس مادة التاريخ جالسا لوحده شارد الذهن، فجأة يسأله شخص ــ لم يكن يعلم بوجوده ــ إن كان يشاهد الأفلام ويذهب إلى السينما... يستمر الحوار بينهما حتى يقترح عليه اسم فيلم ليشاهده.

هذا المشهد أكبر دليل على أن شخصيتنا بدأت تعاني من مرض انفصام الشخصية، أن تكون جالسا لوحدك فجأة يقترح عليك شخص لا تعرفه أن تشاهد فيلم، شخص لا يبحث أن يكون صديق أو أي شيء من هذا القبيل، شخص لم ولن يراه من بعد، حتى أنه لم تلاقيه به صدفة معينة، فجأة يظهر من العدم ليقترح عليه فيلما سيقلب حياته رأسا على عقب.

هناك أدلة صورية من الفيلم تثبت أن هناك ثلاث شخصيات محورية في الفيلم، هناك الزوجة، العشيقة السرية والشخصية الرئيسية التي نرها مزدوجة. لاحظ مثلا عند التوقيت 00:22:50

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International
نرى ثلاث بنايات، التي على اليمين تمثل العشيقة السرية، البناية الوسطى (أمامها بناية صغيرة ملتصقة معها) تمثل الزوجة الحامل، والبناية التي على اليسار تمثل الشخصية الرئيسية، وإذا تمعنت جيدا في هذه الأخيرة ستكتشف انعكاسا لبنايتان أخريتان عليها، تقريبا متطابقتان، هاتين الأخيرتين لا تتواجدا داخل إطار المشهد، بمعنى لا وجود لهما، هناك فقط انعكاسهما (على الأرجح أضيفتا رقميا)، وبالتالي فهما إشارة ضمنية من طرف المخرج مغزاها أن بطل الفيلم يعاني من انفصام في الشخصية. وجود انعكاسين متطابقين وهميين، وجود شخصيتين متطابقتين.

Advertisements


ننتقل إلى دليل آخر يثبت نفس الشيء. لدينا عند التوقيت 00:26:48 هذه اللقطة:

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International
البنايتان على الوسط تمثلان ازدواجية الشخصية الرئيسية، وبالتحديد التي على اليسار، تبدو وكأنها مشوهة أو ذات تصميم غير طبيعي أو غير مألوف، مغزاه أن هناك شخصية حقيقية وأخرى متخيلة.

إذن، بطل شخصيتنا الرئيسية وصل به من التعاسة واليأس لدرجة أنه أصبح يتخيل أشياء غير واقعية، وهذا ما يفسر تحول زوجته في لقطة النهاية إلى عنكبوت، بالإضافة إلى ردة فعله الغير منطقية في هذا المشهد النهائي. 

لكن هناك بعض المشاهد المبهمة التي قد تشكك في فرضية انفصام الشخصية، بمعنى هناك فعلا شخصيتين متشابهتين، فمثلا عند ذهاب الزوجة إلى الكلية عند التوقيت 00:42:00 التقت بشخصية مدرس مادة التاريخ، ونعرف أنها متزوجة من شخصية الممثل.

Image: Enemy - Courtesy of Pathé International
بعد حوار بينهما، أرادت أن تتأكد منه فقامت بالاتصال بهاتف زوجها، ولكي يزيد المخرج من غرابة المشهد وحتى لا يعطي تفسير مباشر، لم يُجب زوجها على الهاتف إلا بعد أن توارى الأستاذ عن الأنظار وراء البناية. في هذا المشهد يمكن اعتبار الاحتمالين ممكنين، لكن المخرج أراد به أن يجعل الفيلم مفتوح النقاش، بمعنى أن الفيلم قد يقبل العديد من الفرضيات، لهذا ستجد الآراء تختلف بين المشاهدين. لكن كما قلنا، فرضية انفصام الشخصية تبقى الأقرب والأكثر واقعية.

Poster Courtesy of Pathé International

ما يمكننا الخروج به من هذا الفيلم يبقى مرتبطا بكل شخص، فهو يعتبر من الأفلام المستقلة (عكس الأفلام التجارية) والتي تُنتهج لدراسة عالم السينما من حيث حبكة القصة وأصليتها، الإخراج، أداء الممثلين، الموسيقى التصويرية، الإضاءة (يعتبر من الأفلام التي يُنصح بها للذين يدرسون الإضاءة السينمائية) الخ...، لكن ما يحاول هذا الفيلم إيصاله من أفكار وما يحاول إثارته من مفاهيم يبقى غامضا من حيث الدافع.