دوم كوب هو لص محترف، الأفضل على الإطلاق في مجال فن استخراج الأفكار الخطير، سرقة أسرار غاية في الأهمية من عمق اللاوعي عندما يكون الإنسان نائما، عندما يكون العقل بدون دفاع. قدرة كوب النادرة جعلته لاعب مُميز ومرغوب في عالم جديد غادر مليء بالتجسس، لكن جعلته أيضا مجرم مطلوب عالميا وكلفته كل شيء أحبه في حياته. الآن عُرِض على كوب فرصة من أجل الخلاص، مهمة أخيرة قد تُعيد له حياته لكن فقط إن استطاع أن يُنجز مهمة زرع الأفكار المستحيلة.

بدلاً من القيام بالسرقة المثالية، سيتوجب على كوب وفريقه المحترف القيام بالعكس، مهمتهم ليست سرقة فكرة وإنما زرعها. إذا نجحوا في ذلك، قد تكون الجريمة المثالية. لكن مهما يكن مدى المهارة أو الحذر المخطط له فالخطر الذي سيواجهونه يتنبأ بكل حركة يقومون بها للإطاحة بهم. خطر، كوب هو الوحيد الذي يمكن أن يواجهه !


Advertisements


ما قد يبدو للكثير هو أن هذا الفيلم هو عبارة عن عمل سينمائي بلقطات أكشن وموسيقى... رائعة وفريدة، وفكرة معقدة يتوجب فقط مشاهدته مرتين أو ثلاث مع الانتباه جيدا، عندها يمكن استيعابه وفهمه جيدا، وأن نهايته باب ذو مخرجين، هل هي حلم أو حقيقة، عندها يظن المشاهد أنه تمكن من الفيلم.

عزيزي القارئ، لا أريد أن أجرح كبريائك وأقول انك مخطئ، ولكن... أنت حقا مخطئ. بدون المزيد من المقدمات الدرامية، ما ستقرأه في هذا المقال ليس رأي شخصي كما يفعل غالبية النقاد، في النهاية يعطي عدد من النجمات على عشرة، وإنما تحليل معمق يتطلب التركيز وشغف لروعة الفن السابع.

قبل أن نباشر مغامرتنا هذه نود أن نشير إلى أن هذا المقال ليس موجه لمن لم يشاهد الفيلم بعد، حتى وإن شاهدته أعد الكرة وارجع لتتمة القراءة.


قبل كل شيء، الفيلم من إخراج كريستوفر نولان وصدر سنة 2010، حيث قام بالأدوار الرئيسية كل من ليوناردو ديكابريو، جوزيف غوردن لوفيت، توم هاردي، إلين بيدج، مارين كوتيارد وكليان مورفي. الفيلم ترشح لثماني جوائز أوسكار فاز بأربع منها، كما فاز أيضا بأكثر من 130 جائزة عالمية أخرى.
 
مثال من شخصية "إيمز" التي تقابل الممثل
أولاً سنبدأ بالأشياء البسيطة ومع الوقت سنتعمق...
الفيلم هو نفسه استعارة للصناعة السينمائية، بمعني آخر ما تشاهده في الفيلم ليس مجرد قصة وإنما فريق عمل سينمائي مكون من تقنيين، كل شخصية نراها في الفيلم توازي تقني في عالم صناعة الأفلام كالمخرج، المنتج، الممثل...إلخ.
لاحظ... هذه لائحة شخصيات الفيلم وما يقابلها من تقنيين في عالم التصوير:
كوب: الذي ينسق في كل شيء وبين الجميع، هو المخرج.
آرثر: الذي يبني كل شيء، هو تقني تصميم الديكور.
أريادني: التي تقوم بتصميم الحلم، هي كاتبة السيناريو.
إيمز: الذي يتظاهر في بعض لقطات الفيلم أنه "بيتر براونٍ" وأنه هو تلك الفتاة الشقراء الفاتنة، أي هو الممثل.
يوسف: الذي يعرف التقنيات التي تجعلهم يغوصون في الحلم والاستيقاظ منه، كتلك المادة الكيميائية التي استعملها من أجل تنويمهم...، أي هو تقني المؤثرات البصرية.
سايتو: الذي يمول عملياتهم، كالطائرة مثلاً، أي هو المنتج أو شركة الإنتاج.
روبرت فيشر: هو الهدف في الفيلم، أي هو الجمهور.

 
الآن لنأتي لشيء آخر أكثر إدهاشا، شاهد هذا المقطع:


كما يعلم الجميع، الموسيقى التصويرية للفيلم أُنجزت من طرف "هانز زيمر Hanz Zimmer"، حيث صرح خلال مقابلة تمت معه عند صدور الفيلم أن جُل الموسيقى التصويرية تم إنتاجها بناءً على أغنية "Non, je ne regrette rien" للمغنية "Edith Piafوذلك عن طريق تسريع أو تبطيء الإيقاعات الصوتية للأغنية وإضافة بعض المؤثرات الصوتية والتلاعب بها.

شيء آخر... إذا بحثت عن المدة الزمنية الأصلية لأغنية "Edith Piaf" هذه، ستجدها دقيقتان وثماني وعشرون ثانية. حسنا، انظر إلى المدة الزمنية الرسمية للفيلم، ستجدها ساعتان وثماني وعشرون دقيقة!

قد يقول بعض من شاهد الفيلم أن فهمه يحثم عليك معرفة إن كانت التميمة عند النهاية ستسقط أم لا. إن سقطت فإن كوب قد رجع فعلا إلى الواقع وأتم المهمة وانتهى الفيلم. أما إذا كان العكس ولم تسقط التميمة، فغالبا لا يزال في حلم معين، وبالتالي الفيلم لم ينتهي ولربما هناك جزء ثاني قادم للفيلم.

بناءً على القاعدة التي يقدمها الفيلم: إذا أراد كوب أن يعرف إن كان في حلمه الخاص أو في حلم شخص آخر فهو يتأكد من خلال تميمته، إن سقطت فهو بأمان، وإن لم تسقط فغالبا لا يزال يشارك في حلم شخص آخر. لكن ما يجب أن يعرفه الكثير هو أن معرفة ذلك لا يهم بتاتا. حتى ولو اكتشفنا أن التميمة ستسقط، فمن الممكن أن كوب لا يزال يحلم! هذا هو ما حير الكثير عند نهاية الفيلم. 

حسنا، الآن سأثبت لك أن كوب لا يزال يحلم في نهاية الفيلم، ولماذا قلتُ أن "معرفة ذلك لا يهم بتاتا"، تابع جيداً.

أولا يجب أن نستوعب مفهوم التميمة في الفيلم:
تميمة كوب هي التميمة التي تدور، إذا سقطت فهذا يعني أنه ليس في حلم شخص آخر يتلاعب بأفكاره.
تميمة آرثر هي النرد الأحمر، ولقد صنعه مغشوش، جعل نصف وزنه غالب على النصف الآخر، لكي يسقط دئما على عدد معين يعرفه هو فقط، وهذا ما يؤكد له إن سقط النرد على عدد مغاير فهو يشارك في حلم شخص آخر وليس حلمه.
تميمة أريادني هي بيدق الشطرنج، وقد صنعته وهو لا يقف ثابت وإنما يميل عن مركز جاذبيته، هذا أيضا ما يؤكد لها ما بين حلمها وحلم شخص آخر.
تميمة إيمز لم تظهر بشكل واضح في الفيلم لكنها موجودة، إن تذكرت اللقطة التي ذهب فيها كوب إلى إيمز في الكازينو وكان يحمل رقاقة البوكر الحمراء، إنها هي.

لنأخذ مثال آرثر، تميمة النرد الخاصة به، لماذا امتنع عن ترك أريادني أن تلمسه؟


إن لمستِ النرد قد تعرف وزنه، وبالتالي قد تعرف ما هو العدد الذي يسقط عليه دائما في العالم الواقعي. ومنه إن هي لمسته، لن يؤكد أبدا لآرثر إن كان في حلم من أحلامه أو أحلام أريداني.
(آرثر يعلم أن النرد لا يسقط على هذا العدد المعين في الحلم)


مثال آخر، عندما امتنعت أريادني من ترك كوب أن يلمس تميمتها، بيدق الشطرنج. لو قام بذلك، لربما قد يعرف كيف هو هذا البيدق، هل يقف ثابت أم يسقط...، وبالتالي لن يصبح ذا فائدة لأريادني، ولن يؤكد لها أبدا إن كانت في حلم من أحلامها أو مشاركة معه في حلمه هو.

إذا ماذا نستنتج من كل هذا؟  أن دور التميمة هو فقط إخبارك إن كنت في حلم شخص آخر أم لا، حتى أن آرثر أشار لهذا بالتحديد في الفيلم عند الدقيقة 34 والثانية 14، حيث قال:


That way, when you look at your totem, you know beyond a doubt that you're not in someone else's dream.
بهذه الطريقة، عندما تنظر إلى تميمتك، بدون أدنى شك تعرف أنك لست في حلمِ شخصٍ آخر.


إذا كما قلنا فالتميمة تؤكد لك فقط إن كنت في حلم شخص آخر أم لا، ولا تؤكد لك أبدا إن كنت في حلمك الخاص. وبالتالي فسقوط التميمة عند نهاية الفيلم لا يؤكد لنا إن كان كوب قد أتم المهمة ورجع إلى أبناءه، لأن هناك احتمالية كبيرة أنه لا يزال في حلمه الخاص!

Advertisements


حسنا، إليك شيء آخر لتفهم أكثر،  حوار مهم في الفيلم دار بين كوب وأريادني عند الدقيقة 48 والثانية 35:



Ariadne: An elegant solution for keeping track of reality. Was it your idea?
Cobb: No, it was, uh… It was Mal's, actually. This… this one was hers. She would spin it in the dream and it would never topple. Just spin and spin...
أريادني: حل مثالي من أجل مواصلة إدراك الواقع. هل كانت فكرتك؟
كوب: لا، لقد كانت... لقد كانت فكرة "مول" (زوجة كوب) في الحقيقة... كانت هذه تميمتها. كانت تغزلها في الحلم ولا تسقط أبدا. تبقى تدور وتدور...


أتعرف ماذا فعل كوب هنا في حواره هذا مع أريادني؟ لقد كشف لها عن شيء يعاكس تماما لما قال لها ألا تفعله، ألا تخبر أحدا كيف تعمل تميمتها. لقد كشف لها كيف تعمل تميمته، "تدور وتدور..." !
إذا ما الذي تلاحظه هنا؟ تميمة كوب أصبحت عديمة الفائدة بالنسبة له، أصبحت أريادني الآن تعلم كيف تعمل هذه التميمة، إذا بالنسبة له، لن يستطيع أبدا أن يجزم إن كان في حلم من أحلامها أم لا.
 أتتذكر ما هو دور أريادني في الفيلم؟ إنها المسؤولة عن تصميم الحلم، جميع طبقات الحلم، أليس كذلك؟ وبالتالي، عندما قام بغزل التميمة فوق الطاولة عند نهاية الفيلم واتجه نحو أبناءه، لن تؤكد له بتاتا إن كان لا يزال عالقا في أحد طبقات الحلم أو عالقا في المتاهة...

حسنا، إليك دليل آخر، في هذه المحادثة التي دارت بين كوب وأريادني، قال لها أن التميمة تعود لـ مول، زوجته، بالطبع كوب يظن أن زوجته توفيت، توفيت لأنها رمت بنفسها من على شرفة نافذة، في عالم لم يستطيع هو أن يجزم إن كان واقعيا أو حلما. إذا زوجته تعرف كيف تعمل هذه التميمة لأنها تعود لها في الأصل، بمعنى كوب لا يستطيع أن يجزم إن كان لا يزال في حلم من أحلامها. وبالتالي فسقوط التميمة عند نهاية الفيلم لا يؤكد أي شيء، فقد يكون في حلم من أحلامه هو، أو يشارك أريادني في حلمها، أو لا يزال في حلم من أحلام زوجته مول التي يظن أنها ميتة (سأتطرق إلى موت زوجته لاحقا).

الآن تعال معي إلى دليل آخر أكثر تعمقا، ركز جيدا.
كيف يعرف آرثر أن تميمته تعمل؟
يعرف من خلال العدد الذي تسقط عليه في العالم الواقعي.
أريادني؟ تعرف من خلال وزن ومركز جاذبية البيدق.
الآن نأتي إلى إيمز، قلتُ من قبل أن تميمته هي عبارة عن رقاقة بوكر حمراء.
حسنا، لاحظ... ها هي في هذه الصورة المأخوذة من الفيلم عند لقطة الكازينو ←




خلال عرض مؤتمر "كومك-كون" الذي يُقام في الولايات المتحدة الأمريكية يتم عرض الأدوات والأسلحة... التي يتم استعمالها في الأفلام، وهناك تم عرض أشياء تم استعمالها في هذا الفيلم، من بين هذا الأشياء تم عرض تمائم شخصيات الفيلم، تميمة كوب، تميمة آرثر، تميمة أريادني ثم تميمة إيمز، رقاقة البوكر.

بعد مدة من البحث وجدت أن رواد السينما، وخصوصا عُشاق هذا الفيلم، وجدوا أن هذه التميمة فيها شيء غريب، وجدوا أن الرقاقة مكتوب عليها "Mombassa District 100 Shilling"، هذا يعني أن هذه الرقاقة تابعة لكازينو "مومباسا"، هذه الجملة مكتوبة على رقاقة البوكر الحمراء الخاصة بإيمز، لكن المخرج كانت نيته أن يجعلها غير واضحة وخاطفة، وربما إن شاهدت الفيلم بنسخة البلوراي الأصلية قد تلاحظها.

على أيٍ، لنعد إلى الجملة ونركز على اسم "مومباسا". الاسم غير صحيح لغوياً، "مومباسا" بالإنجليزية يُكتب بحرف S واحدة: لكنه هنا بحرفي SS اثنين ! 

أتعرف الآن كيف تعمل تميمة إيمز هذه، إنه يضيف حرف S إلى "مومباسا" ليجعلها خاطئة، وبالتالي إذا نظر إلى الرقاقة ووجدها بحرف S واحدة يعرف أنه في حلم شخص آخر، لأن هذا الأخير لن تأتيه أبدا فكرة أن يضيف حرف S، لأنها ليست فكرته. أما إذا نظر إيمز إلى الرقاقة ووجدها بحرفي SS فعندها يتأكد أنه لا يشارك في حلم شخص آخر (أي أنه في حلمه الخاص) أو أنه في العالم الواقع، لأنه هو من أضافه.


إذن نستنتج أن الطريقة التي تعمل بها كل تميمة في العالم الواقعي غريب وفريد: تميمة تسقط دائما على عدد معين، تميمة تميل عن مركز جاذبيتها، تميمة مكتوب عليها اسم مغلوط لغويا. أما في عالم الحلم فهي تعمل بطريقة طبيعية: إرم تميمة النرد وستسقط على أي عدد، ضع تميمة البيدق وستقف ثابتة على مركز جاذبيتها، انظر إلى ما هو مكتوب على رقاقة بوكر ستجده صحيح. لكن تميمة كوب تعمل بالعكس!

Advertisements



حسنا، انس أنك شاهدت هذا الفيلم لوهلة... وتخيل معي تميمة كوب. جميعنا تقريبا لعبنا بمثلها في صغرنا، تغزلها وتُدَوِّرُهَا ثم بعد بضعة ثواني تسقط. لكن تخيل معي أنك حلمت يوما ما تلعب بها (بعيدا عن سياق الفيلم)، ستغزلها وسَتَدُور لبضعة ثواني ثم ستسقط، لكن لماذا لم تُكمِل الدوران كما يحدث مع كوب في عالم الحلم؟ لأن مصدر معلوماتك أنت، التي يستعين بها اللاوعي، يأتي من الواقع عندما كنت تلعب بها.

وبما أن "مول"، "أريادني" و"كوب" نفسه، يعرفون أن التميمة ستسقط في العالم الواقعي (لأن هذا ما ستفعله عادة!)، فإن سقوط التميمة عند نهاية الفيلم يؤكد لنا احتمالية أنه يشارك في حلم من أحلام "مول" زوجته أو "أريادني" أو حتى الشخصيات الأخرى... 

إذا، هذه التميمة أولاً لا يُعوَّلُ عليها. ثانيا شخصية كوب يمكن القول عنها أنها غير موثوق بها، رغم أنه هو بطل الفيلم! كيف ذلك؟

الدليل الأول: عند التوقيت 01:26:39 قال آرثر لأريادني:

Arthur: So now you've noticed how much time Cobb spends doing things he says never to do… 
آرثر: إذا الآن استوعبتِ كم من الوقت يقضيه كوب في فعل الأشياء التي قال ألا نفعل أبداً...

الدليل الثاني: نرى في الفيلم لقطتان تظهران بشكل خاطف "لكوب وزوجته مول"، واحدة وهم لا يزالون شباب، الأخرى أصبحوا كبارا في السن، لكن... أيهما هي الواقعية؟


الدليل الثالث (يؤكد الدليل الأول): عند التوقيت 00:32:50 قال كوب قال لأريادني ألا تُنشئ أماكن من ذكرياتها، بدلا من ذلك عليها أن تستعمل مُخيلتها. وعند التوقيت 00:56:30 اكتشفت أريادني أن كوب يستعين بالذكريات في الحلم!
كل هذا يؤكد أن شخصية كوب غير موثوقة ولا يمكن الاعتماد عليها.

إذا... الجزم عند نهاية الفيلم، إن كانت حلما أم لا، سأتركه لك أنت أيها القارئ(ة) مع كل هذه الأدلة التي بحوزتك لحد الآن. أما أنا فسأنتقل إلى مستوى آخر من الأدلة أكثر تعمقا، تابع جيدا.


لقطة النهاية... عندما هرول بطل الفيلم إلى طفليه بعد غزله لتميمته على الطاولة ليتأكد، هل ما يتحسسه وما يراه واقع أم حلم؟ ثم نرى المشهد بزاوية أخرى وبجميع المعطيات الضرورية لفهم الفيلم، لكن الكاميرا تبدأ بالسفر إلى الأمام باتجاه التميمة بشكل يخلق في المُشاهد نوعا من الغموض، نوعا من التلهف حول معرفة حقيقة سقوط هذه التميمة، لكن بعد أن بدأت تُلمح ببعض التمايل، تُقطع اللقطة وينتهي الفيلم ويُترك المُشاهد حائر حول اكتشاف هذه الحقيقة. لكن المُشاهد يُركز على المُعطى الخطأ ولا ينتبه للمعطى الصحيح.

في لقطة النهاية هذه كما في هذه الصورة، مُعطيين اثنين، الأول على يمين الصورة والثاني على يسارها، الأول مُعطى صحيح، الثاني ما هو إلا عامل تشتيت الانتباه عن الأول.


هذا المُعطى الأول هو حوار دار بين كوب وابنه، هذا الحوار كان بشكل مُتعمد من المخرج مخفوض الصوت بعض الشيء لكنه مسموع، وإن شاهدت الفيلم بالترجمة ركز على ما يُقال. هذا الحوار هو مفتاح الفيلم كله، ولكن لفهمه يجب أولا أن نتعرف على خاصية مهمة جدا عند الإنسان، مفهوم مُعقد بعض الشيء... إنه اللاوعي !

جميعنا تقريبا درسنا هذا المفهوم في المدرسة... وهناك من هو متخصص في مجال الفلسفة ستكون له دراية أكبر، لكن سوف نتعرف 
عليه بشكل موجز، أما أنت أيها القارئ(ة) لابد لك وأن تُبحر في عالم المعرفة بعض الوقت لتفهمه أكثر.

حسب مدرسة فرويد التي تعتبر اللاوعي هو ذلك العقل الباطن الذي يتكون مما لا يمكن إدراكه عن طريق الوعي، مثل الرغبات والنزوات التي تكون مكبوتة، وبالتالي تجد سبيلها عن طريق اللاوعي، وغالبا ما تحدث عندما نكون في عالم الحلم، ويُلاحظ أن هذه الرغبات تكون لها طاقة غريبة وذات ظهور مفاجئ وغير مفهوم. كما يُفسر الفلاسفة والعلماء أيضا أن اللاوعي دائما ما يحاول أن يُمرر تلك النزوات والتصورات إلى الوعي ليُثبِتَها، غالبا عن طريق الأحلام. نجد أيضا حسب مدرسة فرويد أن اللاوعي يعتبر ضروري جدا لفهم سلوكياتنا ومعرفة ما نحتاجه وما يجب أن نغيره...

حسنا، لنعد الآن لسياق الفيلم ونطبق شرح اللاوعي هذا على مفهوم اللاوعي في الفيلم.

ذلك القطار الذي ظهر فجأة واصطدم بالسيارة التي كان بها كوب وأريادني!

الرقم العشوائي 528491 الذي أعطاه فيشر لكوب بشكل تعفسي، ثم بعد ذلك بدأنا نلاحظ أن هذا الرقم يظهر بعد كل طبقة حلم، عندما أعطته تلك الفتاة الشقراء لفيشر على أنه رقم هاتفها، ثم رأيناه على باب غرفة الفندق على أنه رقم الغرفة، ثم بعد ذلك كان هو رقم 
مفتاح خزنة والد فيشر في الطبقة الثالثة من الحلم.



لاحظ مثال آخر، رقم غرفة الفندق لذكرى زواج كوب وزوجته مول هو 3502، القطار الذي اصطدم بسيارة كوب وأريادني، إن لاحظت جيدا عند الجهة الأمامية في الأعلى له سترى الرقم 3502، أيضا رقم سيارة الأجرة الصفراء التي ركبوها في الطبقة الأولى للحلم هو2053.


 
 تذكر جيداً أيها القارئ(ة) أن ما نحاول القيام به هو إثبات أن نهاية الفيلم ليست إلا مجرد حلم، وكيف أن براعة المخرج في خداع الكثير من المشاهدين عن طريق خلق تأويلين للفيلم، الأول وهو ما قد يفهمه عامة المشاهدين ولكن متروكين بحيرة حول النهاية، والتأويل الثاني هو ما نفعله الآن، ولربما سنحاول إثبات أن الفيلم بأكمله هو حلم وليس النهاية فقط! كيف ذلك؟ تابع جيداً.

لكننا لم ننتهي بعد من إثبات مفهوم اللاوعي في الفيلم، ولهذا سننتقل إلى دليل ثاني مُطبق فيه هذا المفهوم، وسنركز على مشهدي البداية والنهاية.

إن كنت تتذكر جيدا في مشهد البداية نرى كوب على ما يبدوا أنه مُرمى على جانب الشاطئ. بعد ذلك يأتي إليه جنديين من أصول آسيوية -على ما يبدو أنهم جنود سايتو- ثم نرى في آخر المشهد قصر أو منزل فخم على جرف صخري ضخم يعود لـ سايتو.

ثم سنعود إلى مشهد النهاية وسنركز على ذلك الحوار الذي دار بين كوب وأبنائه:

Cobb : Hey, Guys! Hey! How are you?
Phillipa : Daddy! Daddy!
James : Daddy!
Cobb : How are you?
James : Look what I've been building!
Cobb : What are you building?
James : We're building a house on the cliff!
كوب: يا أبنائي! كيف حالكم؟
فيليبا: أبي! أبي!
جيمس: أبي!
كوب: كيف حالكم؟
جيمس: أنظر ماذا كنتُ أبني!
كوب: ماذا تبني؟
جيمس: إننا نبني منزلا على الجرف!

ألاحظت الشيء المثير للانتباه الذي هو قاسم مشترك بين مشهدي البداية والنهاية وله علاقة باللاوعي؟
إنه "المنزل الذي على الجرف"، عنصر من اللاوعي الخاص بسايتو ينبثق فجأة في الحلم، لِكوب، عندما سأل أبنائه ما الذي كان يبنيانه.

ينبثق فجأة في الحلم! لكن حلم من بالضبط؟ سأقول لك: الحلم الخاص بسايتو. لكن كيف ذلك؟
حسنا... أولا يجب أن نفهم شيئا في الفيلم، عندما تخرج شخصية ما من عالم المتاهة أو عالم النسيان، لأين تذهب بعد ذلك؟

لدينا دليل واضح من الفيلم، مشهد البحث عن فيشر من الطبقة الأخيرة والتي هي عالم المتاهة، عندما ذهب إليها كوب وأريادني لإرجاع فيشر منها الى الطبقة التي ما قبلها، طبقة البناية التي تتواجد في المنطقة الثلجية، لإنجاز المهمة الكبرى في الفيلم (والتي هي زرع فكرة في اللاوعي الخاص بـ فيشر، ألا وهي أن أب فيشر لا يريد له أن يتبع مساره في حياته المستقبلية وإنما يجب أن يكون مختلفا عنه...)

طبقة عالم المتاهة والنسيان، التي تم استرجاع منها فيشر من مول، وهي نفس الطبقة التي علق فيها سايتو حتى أصبح عجوزا

إذا كما قلنا، لإرجاعه من طبقة المتاهة إلى الطبقة التي قبلها، لا ترجع الشخصيات أبداً من طبقة معينة إلى الواقع (إلى الطائرة)، أو من الطبقة الثالثة مثلا إلى الطبقة الأولى، وإنما ترجع دائما بطبقة واحدة إلى الوراء وهكذا... بالاستعانة بوسيلة معينة كالموسيقى أو التفجير... كما في الفيلم.

وبالتالي فطبقة المتاهة هذه لم يبقى فيها سوى كوب وسايتو (سايتو، لأنه مات في طبقة البناية الثلجية، إذا تلقائيا سيذهب إلى المتاهة)، بالنسبة لـ"مول" فما هي إلا إسقاط خاص بكوب، كما هو الحال بالنسبة لإسقاطات الجنود الخاصين بسايتو. 

بعد ذلك، الفيلم يُظهر لنا أن سايتو أصبح محبوسا في طبقة المتاهة، ليأتي عنده كوب في قلعته لتحريره ويُقنعه بقتل نفسه للرجوع إلى الواقع، وهذا ما حدث عند نهاية الفيلم، حيث رأينا سايتو يبسط يده نحو المسدس وكوب أمامه. لكن، حسب القاعدة السابقة فهم لن يرجعوا إلى الواقع وإنما بطبقة واحدة إلى الوراء والتي هي طبقة البناية الثلجية، لكن سيجدونها فارغة فالجميع غادرها ورجعوا إلى الواقع!

هنا سيحدث شيء غريب جدا... بما أن سايتو هو الأول الذي سينتحر ويرجع إلى الطبقة الثلجية، سيجدها فارغة! ماذا سيحدث؟

سيقوم بإعمارها بافتراضاته، بـ لاوعيه، بآماله، بتوقعاته...، وتوقعاته هذه ستكون هي رجوعه إلى الطائرة وإتمام المهمة. ثم سيتبعه كوب بعدما سينتحر ليعود إلى هذه الطبقة الثلجية، ليجدها مُعمرة بتوقعات... سايتو، من بينها رجوعه إلى الطائرة وإتمام المهمة ورجوعه إلى أبنائه، لكنه في الحقيقة لم يرجع إلى الواقع وإنما إلى طبقة البناية الثلجية. إذا هو لا يزال يحلم، بمعنى أن نهاية الفيلم تلك، ما هي إلا حلم.

أعرفت الآن لما سقوط التميمة عند النهاية لا أهمية له بتاتا؟ فكوب لم يُتم المهمة، كوب لا يزال يحلم أنه أتم المهمة، لكنه في الحقيقة لا يزال عالق في طبقة البناية الثلجية، بعدما عمرها سايتو بافتراضاته وتوقعاته، بعد انتحارهما من طبقة عالم المتاهة والنسيان.

أترى براعة المخرج هنا، كيف جعل القصة جد معقدة ذات طابع تشويقي، خلق في الكثير من المشاهدين الفضول والتشويق حول تلك التميمة عند نهاية الفيلم، جعلها تتمايل بعض الشيء ليظن المشاهد أن بطل الفيلم لا يحلم، لكن اللقطة تُقطع ولا يؤكد حتى إن سقطت أم لا، وكل هذا ليُشتت فقط الانتباه عما هو أهم. 

لننتهي الآن من هذه النهاية وإثباتها، ولنتعمق أكثر في شيء آخر. حسب الفيلم، قبل أن يبدأ كوب مهمة زرع الفكرة في اللاوعي الخاص بــ فيشر والمباشرة مع الفريق في هذه المغامرة المليئة بطبقات الحلم، كان كوب قد قام بتجربة "زرع الأفكار" على زوجته مول، كما قام معها أيضا بتجربة طبقات الحلم المتعددة، وبناءً على حوار مهم عند التوقيت 01:15:59 شرح فيه كوب لــ أريادني تجارب الحلم التي كان يقوم بها مع زوجته:

Cobb: We were working together. We were exploring the concept of a dream within a dream. I kept pushing things. I wanted to go deeper and deeper. I wanted to go further. I just didn't understand the concept that hours could turn into years down there… that we could get trapped so deep... 

كوب: كنا نعمل معا. كنا نستكشف مفهوم "حلم ضمن حلم". واصلتُ الاستكشاف. أردتُ التعمق أكثر. أردتُ الوصول إلى أبعد مدى. لكني لم أستوعب أن مفهوم الساعات قد يتحول إلى سِنين هناك بأسفل طبقات الحلم... أننا قد نعلق في عمق كبير...

وبالرجوع إلى القاعدة السابقة، أنه عندما تقتل شخصية ما نفسها وهي في عالم المتاهة، فهي ترجع بطبقة واحدة فقط إلى الوراء، وبما أن كوب وزوجته مول قد تعمقا جدا في طبقات الحلم إلى أن وصلوا لطبقة عالم المتاهة، ثم بعد ذلك قاموا بالانتحار معا عندما ارتموا على سكة القطار، فإنهم لن يستيقظوا إلى العالم الواقعي، وإنما إلى الطبقة ما قبل طبقة عالم المتاهة.


إذا، عندما قال كوب أنه بعد أن رجعوا إلى العالم الواقعي، زوجته استحوذت عليها فكرة أنها لا تزال في طبقة من طبقات الحلم، وأنه يجب عليها أن تقتل نفسها لترجع إلى الواقع. فهو كان على خطأ، وربما زوجته هي التي على صواب!


الفيلم بأكمله يمكن أن يكون حلما، بل إنه كذلك بكل تأكيد، من البداية إلى النهاية. جل مغامرة زرع فكرة في عقل فيشر ما هي إلا حلم. حلم لم يستيقظ منه كوب بعد.

لحد الآن، قد يبدو لك الأمر مبالغ فيه، وما كل هذه الأدلة إلا تكهنات... حسنا، سنرى تلميحات وضعها المخرج في الفيلم بشكل متعمد، يحاول أن يثبت بها فرضية الحلم.

- في مشهد مدينة مومباسا عندما ذهب كوب إلى صديقه إيمز ليعرض عليه العمل معه. عملاء شركة "كوبل" الذين كانوا يلاحقونه، ألم تلاحظ أنهم يظهرون فجأة من أي مكان؟ كما يحدث تماما عندما نكون في حلم، أشياء تظهر لنا فجأة بدون أصل أو مصدر.


- الجدران في مطاردة مومباسا التي تضيق عليه وتحشره وهو يحاول النفاذ منها، تماما كما يحصل لنا في الأحلام.


- المشهد الذي ذهب فيه كوب إلى صديقه إيمز في مومباسا، ووجده في الكازينو (00:35:13) على حافة الإفلاس، حيث خسر جميع رقاقات البوكر بالمقامرة، وعرض عليه شراب، لكن إيمز رد عليه بــ "أنت من سيدفع"، بمعنى أنه حقا مُفلِس. لكن فجأة يتوجه نحو شباك صرف رقاقات البوكر ويضع أمام العامل سطرين من رقاقات البوكر الحمراء لصرفها، من أين جاءت؟ لا تفسير لها. تماما كما يحدث للشخص وهو في الحلم، فجأة يتحصل على أشياء من لا مكان بدون تفسير أو انتباه. 


Advertisements



- نرى في مشهد الطائرة عند التوقيت 01:01:59 أن إيمز يتحصل على جواز سفر فيشر عن طريق سرقته منه، لكننا إن ركزنا حقا على اللقطة جيدا، لا نرى أبدا إمكانية أن إيمز استطاع اختلاس جواز السفر، فقط يمر فيشر من أمامه، فجأة نراه يمرر الجواز إلى كوب.


- دليل آخر، عندما قامت مول زوجة كوب بالانتحار عند التوقيت 01:18:51. دخل كوب إلى غرفة الفندق التي من المفترض أن يقضيا فيها ليلة الاحتفال بمناسبة ذكرى زواجهما، لكنه يدخل للغرفة ويجدها مُبعثرة بشكل غريب، يقترب من النافذة فينظر ليجد زوجته في الجهة الأخرى المقابلة لغرفتهما، بالتأكيد في جهة بناية أخرى، وبين هذه الأخيرة وغرفة فندقهما هناك زقاق واسع. إذن، في نظرك كيف وصلت للجهة المقابلة؟ من المفترض أن يأتي كوب ويطل من نافذة غرفتهما ويجدها على نفس الجهة على جانب النافذة إن كانت تريد أن تنتحر، لكنها بدون تفسير عقلاني، مُنتظِرة في جهة لا يمكن الوصول إليها من الغرفة، تماما كما يحدث في الأحلام، نجد أنفسنا في أماكن بدون تفسير.

أضف لهذا عندما بدأ كوب في إقناع زوجته بالرجوع إلى الداخل ويشير بيده نحوه، كما لو أنه يمكنها السير مباشرة من الجهة المقابلة إلى جهته!


الدليل السادس والأخير!
أتتذكر ما ذكرتُه في بداية المقال عن أغنية "Edith Piaf - Non Je Ne Regrette Rien"، أن المدة الزمنية الأصلية لهذه الأغنية هو دقيقتان وثماني وعشرون ثانية، وأن الفيلم مدته الرسمية هو ساعتان وثماني وعشرون دقيقة.

حسنا، قل لي أنت أيه القارئ(ة) ما هو دور هذه الأغنية في الفيلم؟ إنهم يستعينون بها من أجل الاستيقاظ من الحلم، كيف ذلك؟
عندما يكونون في حلم معين ويسمعون هذه الأغنية يعلمون عندها أنهم يجب عليهم الإسراع، لأن بمجرد انتهاءها سيستيقظون.
الآن لديك شيء مشترك بين المدة الزمنية للأغنية والمدة الزمنية للفيلم، وتعرف دور هذه الأغنية!

>>> بمجرد انتهاء الأغنية ينتهي الحلم، بمجرد انتهاء الفيلم ينتهي الحلم.


Advertisements