التكنولوجيا والمستقبل الأسود! مناقشة مسلسل Black Mirror الموسم الرابع

عُرض الموسم الرابع من مسلسل المرآة السوداء مع نهاية عام 2017 وكما كان متوقع، قدم لنا في حلقاته الستة إحدى أفضل القصص إثارة للاهتمام حول مستقبل الإنسان في علاقته مع التطور الجارف للتكنولوجيا وكيف يمكن لهذه الأخيرة أن تكون نقمة عليه عوض نعمة يستفيد منها. المسلسل لا يناقش هذا الموضوع بشكل مباشر، بل عن طريق قصص فريدة من نوعها تحمل في طياتها تحذيرا لما قد تجلبه التكنولوجيا من منافع يستفيد منها الإنسان.

وكما قمنا سابقا بمراجعة حلقات المواسم الثلاث السابقة والتي تعتبر إطلالة جديدة للسرد التلفزي؛ دعك من ملحمة صراع العروش أو عالم الجريمة من مسلسل Breaking Bad...، مسلسل Black Mirror سيقلب لك بوصلة نظرتك لعالم الشاشة الصغيرة، قد يزعجك، يتحداك وحتى أنه سيشعل فيك شرارة التساؤل حول طبيعة تعاملنا مع وسائل التكنولوجيا.

(هذه المناقشة تحتوي على حرق للأحداث ! Spoilers Ahead)


Advertisements


USS Callister

تدور أحداث الحلقة الأولى من هذا الموسم الرابع حول مخترع لعبة فيديو يقوم بحبس كل من يكرههم أو لا يعرف كيفية التواصل معهم اجتماعيا في العالم الواقعي داخل سيرفر لعبة خاصة به من خلال أخذ الحمض النووي (DNA) الخاص بهم وخلق نسخة مطابقة لهم تحمل نفس المواصفات من العالم الواقعي؛ باستثناء بعض التغييرات الصغيرة، ويقوم بالتحكم بهم كيفما شاء، وبالتالي يصبحون محاصرين داخل هذا العالم الإفتراضي بدون حرية شخصية... مهما حاولنا شرح مفهوم هذه الحلقة لن نستطيع إيصالها لك بشكل مثالي بدون مشاهدتها. إذا ما الذي تحمله من معاني في طياتها؟

بعيدا عن الإشارة للإلهام المبني عليه الحلقة من مسلسلات وأفلام Star Trek، تناقش في موضوعها الضمني خطورة العوالم الافتراضية؛ في ألعاب الفيديو مثلا، التي بدأت بالظهور في عالمنا لدرجة قد تفصلنا عن الواقع وتُغير في سلوكياتنا الاجتماعية. وقد رأينا كيف أن مصصم لعبة Infinity "روبرت دالي" كان يجد صعوبة في التواصل مع زملائه في العمل وكان مثل المنبوذ رغم أنه صاحب الشركة، لكن عندما يذهب إلى العالم الافتراضي داخل لعبته يُخرج كبته الاجتماعي داخلها ويُحقق ما لم يستطيع تحقيقه في العالم الواقعي.

شيء آخر تناقشه الحلقة بشكل ضمني هو موضوع مشاركة وتسريب الحياة الخاصة للأفراد على الأنترنت، حيث رأينا كيف تم اختراق حساب الأيكلود الخاص بـ "نانيت كول" وتم ابتزازها بتسريب صورها العارية إن لم تقم بما طُلِب منها، ثم رأينا أيضا كيف انصاعت لمطالبهم بسبب ذلك. هذا الموضوع ليس بالجديد في عالم الأنترنت، فكم من مرة نسمع أنه تم ابتزاز شخص ما بتسريب صوره، أو ما وقع قبل سنين للمثلة "جنيفر لورانس" عندما قام هاكر ما باختراق حساب صورها على الأنترنت وقام بتسريبهم، والأمثلة كثيرة... بمعنى آخر، قد يكون للتكنولوجيا سلبيات أكثر من الإيجابيات.

Advertisements


Arkangel

الحلقة الثانية ناقشت منافع التكنولوجيا ثم مخاطرها، بشكل عادي إلى حد ما وكانت الحلقة الأضعف نوعا ما في نظرنا، حيث تدور أحداثها حول قيام أُم بزراعة نوع من التكنولوجيا في دماغ ابنتها تُمكّنها من تعقب مكانها في حالة ضاعت أو تم اختطافها، كما تقوم أيضا بإرسال حالتها الجسدية والنفسية وكل شيء تقوم به إلى جهاز أيباد تراقبه الأم. بطبيعة الحال، هذا سيوفر للأم تحكم ومراقبة أكبر حول أي خطر قد تواجهه ابنتها وسيمكنها أيضا من التدخل بشكل سريع لإنقاذها، لكن!

لكن كما يقولون، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. الفتاة الصغيرة عندما كبرت ووصلت لسن المراهقة داخلت في مرحلة مغايرة تتطلب فيها شيء من الخصوصية تتمثل في القيام بأشياء لن يوافق عليها الأباء. وعندما تكتشف الإبنة أن أمها لا تزال تراقبها، يؤدي الأمر إلى شجار بينهما، إلى محاولة قتلها، إلى هجرها!
Advertisements


Crocodile

في الحلقة الثالثة نرى كيف أصبح الإنسان يستعمل جهاز يسمح بإعادة عرض الذكريات على شاشة حاسوب قد تساعد في معاينة أية تفاصيل لأحداث وقعت مسبقا وتساعد أيضا في معرفة مُلابساتها، لكن سلبيات هذا الجهاز تكمن في أنه واجب من طرف القانون على أي مواطن أن يخضع له إذ كان قريبا من مسرح الحادثة المعينة أو أنها وقعت أمامه... فتصل الأحداث عند إمرأة كانت قريبة من وقوع حادثة سير، لكنها أيضا قامت بجريمة قتل لا علاقة لها بالموضوع ولا يعلم بها أي شخص آخر، فيقوم هذا الجهاز بفضحها، لكن من أجل ستر نفسها تقوم بقتل السيدة التي تشرف على هذا الجهاز حتى لا تكشف أمرها.

مرة أخرى، التكنولوجيا تفيدنا بشكل كبير في إعادة إحياء الذكريات وعرضها في سبيل حل مُلابسات الحوادث، لكن ليس الجميع يرغب في كشف جميع ذكرياته، لأن الجهاز قد يقوم بفضح أكثر مما هو مطلوب بل قد يصل إلى عرض ذكريات غير مرغوب في تذكرها.
Advertisements


Hang the Dj

من بين أفضل حلقات هذا الموسم حيث تدور أحداثها حول برنامج تعارف يقوم بتحديد موعد لشخصين من أجل إنشاء علاقة لكن في مدة زمنية محددة، ثم بعدها يقوم بإيجاد لكل منهما علاقة أخرى مع شخص آخر وهكذا... إلى أن يقرر البرنامج أنه وجد لكل منهما الشخص المناسب والذي سيقضي معه بقية حياته.

لكن مشكلة النظام الذي يعمل به هذا البرنامج هو أنه لا يحدد ضوابط يعمل بها، لأنه قد يحدد لك الشخص الذي ستقضي معه بقية حياتك في حين أنك لا توافق على ذلك الاختيار، ولا يوافق لك على الشخص الذي تظن أنت أنه المناسب لك. حلقة مثيرة ومشوقة أظهرت كيف أن التكنولوجيا أصبحت تتحكم حتى في اختياراتنا في من نقع في حبه، وإذا لم نوافق على اختيارات هذا البرنامج سيتم إخراجنا إلى العالم الخارجي الذي لم يعد يصلح للحياة، لكن ما حدث في النهاية يُبين أن هذا النظام ما هو إلا وهم كان يتحكم في الجميع.
Advertisements


Metalhead

الحلقة الخامسة كانت مثل فيلم رعب مليء بالتشويق تدور أحداثه حول امرأة تحاول النجاة في عالم ما بعد إنهيار الحضارة البشرية، عالم تحكمه روبوتات مُخيفة، مثل الكلاب في الشكل، تتميز بالذكاء الاصطناعي والقوة العسكرية. أظن أن هذه الحلقة تناقش موضوع سهل الاستيعاب؛ هيمنة واستحواذ الذكاء الاصطناعي على البشر بعدما كان هذا الأخير هو صانعه. والعديد من العلماء حاليا هم في طور محاولة خلق ذكاء أو ما يسمى بالوعي الاصطناعي حيث يزرعونه في الروبوتات في سبيل مساعدة البشرية والقيام بالمهام التي لن يقدروا عليها، لكن هل تظن أنه عندما سنصنع روبوتات تُفكر وتستوعب، ستُبقي على نفسها خادمة للبشر أم ستحاول قلب الآية؟




Black Museum

الحلقة الأخيرة من المسلسل كانت الأفضل على الإطلاق، حيث تتكون من ثلاث قصص تُحكى من طرف مالك مُتحف يسمى بالمُتحف الأسود موجود في منطقة معزولة صحراوية، حيث يحكي لسائحة مرت به عن القطع الأثرية التي يحفظها داخله وكل قطعة تُعتبر تقنية تكنولوجية لها ماضي مأساوي معين.

وكما شاهدتَ، كل قصة من هذه القصص التي يحكيها هذا المالك والتي لها علاقة بنوع من التكنولوجيا، لا تنتهي بنهاية سعيدة. حتى بالنسبة له، كان يريد فقط أن يحكي قصص هذه التكنولوجيات التي صنعها من أجل مساعدة الإنسان، ليُلاقي المسكين نهاية مأساوية. نعم كان يستحق، لأنه كما يُقال: "كما تدين تدان"، لكن المغزى من الحلقة هو أن مثل ذلك النوع من التكنولوجيات سيكون له نهاية سيئة أكثر من بدايته الجميلة.

قد يقول قائل أن هذا المسلسل متشائم حول التكنولوجيا إلى حد كبير، خصوصا أن هذه الاخيرة قد ساعدت البشر كثيرا للتطور في شتى المجالات... هذا صحيح، لا شك في ذلك، لكننا نحن كبشر لا نتقيد بحدود السلامة في تعاملنا مع التكنولوجيا، هناك من يبقى مستيقظا لساعات متأخرة من الليل مع هاتفه وتعلمون أضرار ذلك، أو تجد شخص ما ينعزل تماما في تواصله مع عائلته لكنه يغوص في حاسوبه طيلت اليوم، أو أخطر مثال لحد الان هو عندما طورت مؤخرا شركة فايسبوك روبوتات بوعي اصطناعي، ثم بعد ذلك وجدوهم قد طوروا لغة خاصة بهم يتواصلون بها فيما بينهم لم يفهمها أي أحد في شركة فايسبوك! فماذا قامت هذه الأخيرة بعد ذلك؟ بسرعة قاموا بإيقافهم وتم إلغاء المشروع. 

ودعنا لا نتحدث عن تلك الروبوت "صوفيا" التي حصلت على الجنسية السعودية مؤخرا ثم قالت لهم من بعد، بشكل مازح، أنها تريد تدمير البشرية! الأمثلة كثيرة... والقادم سيكون أسوأ، وما يحاول قوله هذا المسلسل هو نوع من التحذير والتنبيه حول كيفية تعاملنا مع التطور الجارف في التكنولوجيا وعلاقتها بنا.

يمكنك مشاهدة هذا الموسم الرابع على شبكة نتفليكس Netflix.


عرضاخفاءالتعليقات
الغاء

تابع موقعنا على