مسلسلات الأبطال الخارقين.. لون إبداعي أم ظاهرة عابرة مصيرها النسيان؟

تخطت مسلسلات الأبطال الخارقين المستوحاة من الكوميكس -خلال السنوات العشرة الأخيرة- كونها لوناً إبداعياً وتحولت إلى ظاهرة فنية بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث تزايدت أعدادها بشكل غير مسبوق وحققت نسب مشاهدة بالغة الارتفاع، حيث من المتوقع أن تزداد أعدادها خلال السنوات القليلة المقبلة، خاصة أن شركة DC قد أعلنت عن نيتها تقديم المزيد من الشخصيات من خلال المزيد من المسلسلات خلال خطتها المستقبلية، كما أنه من المتوقع أيضا أن يتم استثمار شخصيات مارفل تلفزيونياً بصورة أكبر بعدما استحوذت عليها شركة ديزني.

تمكنت تلك الفئة من المسلسلات حتى الآن من الصمود والاستمرار لكنها لم تتمكن بنفس القدر من الحفاظ على النجاح الذي حققته في البدايات، إذ تعالت خلال الفترة الأخيرة الأصوات المنتقدة لها والمتساءلة عن سر التراجع المُلفِت في مستواها الفني، ليصبح السؤال الأكثر إلحاحاً هو: لأي مدى لدى مسلسلات الأبطال الخارقين القابلية للاستمرار؟ وما الذي يجعل فرصتها في السنوات العشرة المقبلة أقل كثيراً من الفرصة التي نالتها بالسنوات العشرة الماضية؟

Advertisements

مسلسلات الأبطال الخارقين بين التعدد والتناسخ

مسلسلات الأبطال الخارقين.. لون إبداعي أم ظاهرة عابرة مصيرها النسيان؟ مسلسل arrowو مسلسل jessica jones

تمكنت مسلسلات الأبطال الخارقين من الاستحواذ على نسبة ليست بالقليلة من حجم الإنتاج التلفزيوني خلال السنوات الأخيرة، يرجع السر في ذلك إلى النجاح الكبير الذي حققته التجارب الأولى، مثل نجاح مسلسل Arrow فيما يخص عالم DC والذي انطلق موسمه الأول في عام 2012، ومسلسل Agents of S.H.I.E.L.D المأخوذ عن قصص مارفل المصورة الذي تم بثه للمرة الأولى في عام 2013.

أغرى النجاح الذي حققته تلك المسلسلات المنتجين وكذلك الشبكات التلفزيونية بإعادة استثماره من خلال تقديم بعض المسلسلات الأخرى المشتقة عن المسلسل الأصلي (Spin-off)، مثال على ذلك هو تحول مسلسل Arrow -الذي بدأ منفرداً- إلى عالم درامي يعرف باسم "عالم السهم" أو (Arrowverse) الذي ضم ثلاثة مسلسلات أخرى من إنتاج شبكة CW وهي The Flash و Legends of Tomorrow، ثم تم الربط بينه وبين Supergirl الذي يعرض عبر شاشة CBS، وقد تم الإعلان مؤخراً عن انضمام شخصية "Batwoman" إلى ذلك العالم ومن المقرر تقديمها من خلال عمل مستقل في 2019. أما على الجانب الآخر، قامت شركة مارفل بإطلاق عالمها التلفزيوني بالتعاون مع شبكة نتفليكس في عام 2015 من خلال مسلسلي Jessica Jones و Daredevil ثم أُضيف لهم مسلسلات The Punisher ،The Defenders ،Iron Fist و Luke Cage.

ويضعنا ذلك أمام مجموعة كبيرة ومتنوعة من المسلسلات المنتمية لذات النمط، كما يضعنا كذلك أمام سؤال واحد، هل يمكن اعتبار ذلك تعدداً حقيقياً أم أنها مجرد عملية استنساخ؟ إذا نظرنا للأمر بشيء من التروي والتعمق في التفاصيل سوف ندرك أن الأمر يميل أكثر إلى النظرية الثانية، أي أنه مجرد استنساخ؛ حيث عجزت معظم هذه المسلسلات عن الإتيان بما يُميزها حقاً عن نظائرها، للدرجة التي يمكن معها القول بأن الاختلاف الأبرز بين كل مسلسل وآخر هو الزي المُميّز لبطله الرئيسي!

مَرّت أغلب المسلسلات المذكورة بنفس مراحل التطور ونقاط التحول دون أدنى محاولة للابتكار أو التجديد، حتى أن بعض التحديات والعراقيل وأساليب تجاوزها جاءت شبه متطابقة، بل والأدهى من ذلك أن بعض الأحداث قد تتكرر أكثر من مرة ضمن أحداث المسلسل الواحد. على سبيل المثال، هل تتذكر كم تم بناء التشويق على كشف الهوية الحقيقية لشخصية "أوليفر كوين/ السهم الأخضر" في مسلسل Arrow؟! هل تتذكر كم مرة تم تأسيس التحدي على فقدان شخصية "باري آلن/ البرق" لقوته الخارقة، وكم مرة تم التلاعب بالخط الزمني Time Line من أجل خلق صراعات جديدة في مسلسل The Flash؟!
Advertisements


التطويل والتكرار سمة رئيسية

مسلسلات الأبطال الخارقين.. لون إبداعي أم ظاهرة عابرة مصيرها النسيان؟ مسلسل the flash ومسلسل iron fist

تتمثل إحدى أبرز المشكلات التي تواجهها مسلسلات الأبطال الخارقين -خاصة مسلسلات شبكة CW- في عدد الحلقات التي يتكون منها الموسم الواحد والتي تتراوح ما بين 16 و 22 حلقة تقريباً، أي ما يعادل 11 و 16 ساعة عرض تقريباً، مما يضطر المؤلفين في كثير من الأحيان إلى المط والتطويل في الأحداث مما يوقعهم إما في فخ التكرار أو في فخ الملل.

يمكن ملاحظة ذلك بصورة أكبر خلال المواسم الأخيرة، حيث لم يعد هناك جديد لتعريف المُشاهد به، فقد تم تعريفه مُسبقاً بخلفية البطل ومجموعة الشخصيات المساندة، فلم يعد هناك شيء غامض أو لم تبقى لدى المُشاهد أسئلة تحتاج للإجابة، مما فرض على الكُتّاب إفراد المدة الزمنية للموسم بالكامل لاستعراض خط الصراع الرئيسي فقط والذي -بطبيعة الحال- لا يحتاج كل هذا العدد من الساعات، مما جعل تلك المواسم أقل ترابطاً وتماسكاً بسبب إثقالها بالعديد من الصراعات الفرعية المقحمة إليها والتي لا طائل منها سوى تمديد مدة العرض لا غير.

كانت المواسم الأولى من مسلسل Arrow بالغة التميز، لكن ابتداءً من الموسم الرابع تقريباً بدأ مستواه الفني بالانحدار الذي بلغ ذروته بالموسم السادس، كذلك المسلسلات التي صدرت مؤخراً جاءت انطلاقتها أضعف كثيراً وربما يرجع ذلك لاستنزاف الأفكار بالمسلسلات الأولى. ولعل أبرز مثال على ذلك مسلسل Iron Fist الذي خالف موسمه الأول كافة التوقعات. السؤال الواجب طرحه هنا، هل لدى المواسم الحالية لأغلب تلك المسلسلات -التي انطلقت قبل أسابيع قليلة- فرصة لإعادتها للصدارة مرة أخرى؟ أم أنها لن تتعدى كونها حلقة جديدة ضمن سلسلة الإخفاقات المتتالية؟
Advertisements


الأفق الضيق والإطار المحدود

مسلسلات الأبطال الخارقين.. لون إبداعي أم ظاهرة عابرة مصيرها النسيان؟ مسلسل daredevil

يمكن إلقاء اللوم كاملاً فيما آلت إليه الأمور على كاهل فريق كتابة السيناريو، لكن لنكون منصفين، لابد من الإشارة إلى أن مؤلفي هذا النوع من المسلسلات مُجبرين على التحرك ضمن نطاق محدود على نقيض مُبدعي الأنماط الدرامية الأخرى، يرجع ذلك إلى عدة أسباب في مقدمتها طبيعة المسلسل التي تفرض عليهم التحرك باتجاه نهاية حتمية معروفة مسبقاً وهي انتصار البطل أو فريق الأبطال، ذلك يقلص فرصتهم في الإبداع والتجديد والخروج عن المألوف ويُقصرها على الأسلوب أو المفارقة التي يتم من خلالها إحراز ذلك النصر.

يوجد قيد آخر يحد من فرصة المؤلفين على إطلاق العنان لخيالهم وهو أن كل مسلسل مرتبط بالمسلسلات الأخرى، بمعنى أن أي تغيير جذري، مثلا في أحداث مسلسل The Flash، لابد أن يكون له تبعات في مسلسلات CW الأخرى، كذلك الأمر بالنسبة لمسلسل Daredevil الذي سوف يؤثر بالضرورة على مسلسلات مارفل المنتمية لنفس العالم.

ربما لهذا السبب كانت المسلسلات الأكثر استقلالية أكثر قابلية للتطور والتجديد وكانت هي الأفضل من الناحية الفنية بين المسلسلات المقتبسة من القصص المصورة، مثل مسلسل Gotham الذي تمرد على النمط السائد في مسلسلات الكوميكس في عدة نواحي، كذلك الأمر بالنسبة لمسلسل Smallville الذي حققت مواسمه العشرة نجاحاً كبيراً.
Advertisements


مدى قابلية الأحداث للتطوير

مسلسلات الأبطال الخارقين.. لون إبداعي أم ظاهرة عابرة مصيرها النسيان؟ dc legends of tomorrow

نشاهد في كل موسم من مواسم مسلسلات الأبطال الخارقين المختلفة صراعاً جديداً ينشأ بين البطل وفريقه المعاون وبين أحد الخصوم، لكن ذلك لا يعتبر تطويراً حقيقياً في بناء المسلسل والسياق الدرامي لأحداثه، إن أمعنا النظر سوف نلاحظ أن أغلب المواسم تمر بنفس الفصول بشكل متكرر، في البداية يتم هزيمة البطل بواسطة خصم غامض، من ثم يبدأ فريق الأخيار في ملاحقته ومحاولة كشف هويته، ثم نصل للذروة حين تصبح الأمور على المحَك، في اللحظة الأخيرة يعثر البطل على وسيلة للإطاحة بخصمه بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة!

يمكن توقع نهاية كل موسم ابتداءً من الحلقة الأولى وهذا لا يعد عيباً بدرجة كبيرة، نظراً لأنه أحد السمات الرئيسية للأعمال السينمائية والتلفزيونية القائمة على المغامرة والإثارة؛ إذ أن التشويق في النهاية لا يتم تأسيسه على التساؤل حول مصير البطل، إنما يؤسس على أسلوب رسم التحديات التي يواجهها البطل وكيفية تخطيه لها، لكن يعيب مسلسلات الأبطال الخارقين أنها لم تحاول التجديد في تلك النقطة، في كل موسم يتم تخطي العقبات بأساليب متقاربة ولن نبالغ إن قلنا متطابقة في بعض الأحيان!

يضاف إلى ذلك أن مُبدعي هذه المسلسلات يفتقرون للقدرة على التضحية بالشخصيات المؤثرة، وقد كان ذلك أحد العوامل التي ساعدت على رفع أسهم بعض الأعمال الأخرى مثل Game of thrones أو The Walking Dead، إذ أن ذلك يضع المشاهد في حالة ترقب دائم نظراً لعدم وجود شخصيات آمنة، أما مسلسلات الخارقين فإنها على النقيض تماماً، حتى أن الشخصيات التي تم التخلص منها خلال الأحداث تم إرجاعها مرة أخرى عن طريق إعادة الإحياء أو من خلال الإتيان بالنسخ المماثلة لها في الأكوان الموازية! أدت تلك العيوب إلى فقدان المسلسلات لقدر كبير من التشويق والمتعة. 

ففي السابق كان المُشاهد يتلهف لعرض الحلقة الجديدة في كل أسبوع، أما الآن فقد صار بمقدوره تأجيل مشاهدتها لبضعة أيام، بل أن تسجيلات نسب المشاهدة للعرض الأول تؤكد أن بعض هذه المسلسلات قد خسرت بالفعل جزءاً لا يُستهان به من جماهيريتها.

Advertisements


ظاهرة جديدة.. ليست الأولى!

مسلسلات الأبطال الخارقين.. لون إبداعي أم ظاهرة عابرة مصيرها النسيان؟ Hercules daredevil

تقديم مسلسلات تلفزيونية مقتبسة عن قصص الكوميكس ليس بالأمر المستحدث، بل ترجع جذوره لعقود مضت ومن أمثلة ذلك مسلسل Batman الذي قُدم بالنصف الثاني من الستينات وأعقبه مسلسل Shazam! ومسلسل The Incredible Hulk بالثمانينات. لكن خلال الألفية الثالثة تزايدت معدلات إنتاج هذا النوع من المسلسلات للدرجة التي يمكن معها القول بأنها قد تحولت إلى ظاهرة فنية، لكن هل بمقدور هذه الظاهرة الاستمرار؟ ولأي مدى؟!

ظاهرة سيادة نمط محدد على الساحة الفنية ليست أمراً غير مسبوق أو فريد من نوعه، فبالنظر إلى العقود الماضية سوف نجد دلائل وشواهد عديدة على أنه أمرٌ معتاد، مثال على ذلك، عندما سيطرت الأعمال ذات الطابع الأسطوري على فترة التسعينات، كانت البداية من سلسلة الأفلام التلفزيونية التي حملت عنوان Hercules وحين حققت نجاحاً كبيراً تم تحويلها لمسلسل ممتد -بنفس البطل- تحت عنوان Hercules: The Legendary Journeys الذي ذاع صيته وأصاب العالم بحالة من الهوس، بناء على ذلك تم إنتاج عدة أعمال أخرى منتمية لنفس الفئة مثل Xena: Warrior princess، Young Hercules، Beast Master، The Adventure of Sinbad.

وسبقت تلك الظاهرة موجة أفلام التحقيقات وأفلام الإثارة القائمة على نظام الحلقات المنفصلة المتصلة، التي حققت نجاحاً كبيراً خلال فترة الثمانينات واستمرت بالنجاح خلال التسعينات لما تمتعت به من جماهيرية وما حققته من نسب مشاهدة مرتفعة عند عرضها، من أبرزها مسلسلات Magnum, P.I، Miami Vice، Walker: Texas Ranger وغيرهم الكثير...

مسلسلات الأبطال الخارقين.. لون إبداعي أم ظاهرة عابرة مصيرها النسيان؟ arrow supergirl flash

Advertisements

رغم ما حققته تلك الأنماط الفنية من نجاح كاسح في فترة زمنية ما إلا أنها عجزت عن الاستمرار لأبعد من ذلك، حيث استمرت معدلات إنتاجها في الارتفاع حتى زادت عن حد المقبول والمعقول، من ثم بدأ بريقها في التخافت تدريجياً، وبالنهاية تراجعت لتفسح المجال أمام أنماط فنية أخرى، والمفارقة هو أن حينما حاولت بعض الشبكات التلفزيونية إعادة تقديم هذا النوع من الأعمال مجدداً لم يلق ذات النجاح ومثال ذلك مسلسل Sinbad من إنتاج سنة 2012 الذي لم يستمر إلا لموسم واحد فقط!

يمكن اعتبار ظاهرة سيادة مسلسلات الأبطال الخارقين هي الأوفر حظاً، حيث أنها جاءت في عصر تتوفر فيه العديد من المقومات الداعمة لها، في مقدمتها تطور آليات وتقنيات صناعة المؤثرات والخدع البصرية التي تعتبر بمثابة العمود الفقري لهذا النوع من الأعمال الفنية، بالإضافة إلى تضاعف أعداد الشبكات التلفزيونية ووسائط العرض، هذا إلى جانب الشعبية المسبقة التي تحظى بها شخصيات الأبطال الخارقين.

كل ما سبق ذكره قد يضمن لهذا اللون الإبداعي الاستمرار لفترات زمنية أطول لكن بالتأكيد لن يدوم هذا الحال للأبد، بل أنها قد تتلاشى خلال السنوات القليلة المقبلة، ذلك بسبب كثرة المعيقات الواقفة في طريقها وفي مقدمتها نضوب الأفكار والعجز عن التجدد والتطوير بالدرجة المطلوبة، علاوة على وجود بديل أفضل وهو العالم السينمائي الموازي على الأقل بالنسبة لمحبي عالم مارفل، وقبل كل كذلك وصول المُشاهد لمرحلة الإشباع التام.. ولربما علينا التساؤل من الآن: ما النمط الفني الذي سيزيح مسلسلات الخارقين عن الصدارة ويحل محلها؟!