مراجعة فيلم The Shining.. حين تكون نفسك أكبر مخاوفك!
The Shining © Warner Bros.

 يُعد فيلم The Shining -الذي تم إنتاجه عام 1980- أحد أفضل أفلام الرعب في تاريخ السينما العالمية وفي نظر الكثيرين هو الأفضل على الإطلاق ضمن هذه الفئة، وهو يحتل مرتبة متقدمة ضمن العديد من التصنيفات السينمائية ويحل في المرتبة 63 بين الأفلام الأعلى تقييماً على موقع IMDB.

فيلم The Shining مأخوذ عن رواية بنفس العنوان للكاتب الأمريكي الشهير ستيفين كينج، وهو من إخراج ستانلي كوبريك الذي شارك أيضاً في كتابة السيناريو الخاص به مع دياني جونسون، والفيلم من بطولة الممثل الشهير جاك نيكلسون بمشاركة شيلي دوفال وداني لويد.

Advertisements


قصة فيلم The Shining

 قصة فيلم The Shining
The Shining © Warner Bros.
تدور أحداث فيلم The Shining حول الكاتب الروائي جاك تورانس الذي ينتقل -برفقة زوجته وابنه الوحيد- إلى إحدى المُدن النائية لاستلام وظيفته الجديدة، وهي مراعاة أحد الفنادق التي تغلق أبوابها طوال فترة الشتاء بسبب التساقط الكثيف للثلوج في تلك الفترة من السنة، ورغم غرابة الوظيفة يرى جاك أنها فرصة مثالية للانعزال والتمكن من إنهاء روايته الجديدة.

يعلم جاك بشكل مُسبق أن هذا الفندق قد شهد في الماضي جريمة قتل بشعة قام خلالها أحد الموظفين بقتل زوجته وطفلتيه لكنه لا يأبه بالأمر، وتمضي الأمور في البداية بصورة طبيعية ولكن مع مرور الوقت يستشعر جاك تغيراً في تكوينه النفسي ويعاني من الهواجس، وتحت وطأة الضغوط يبدأ في التخوف من تكرار المأساة التي وقعت بالماضي مرة أخرى على يديه، وأن يكون هو نفسه مصدر الخطر الذي يهدد زوجته وطفله!



بناء السيناريو

 بناء السيناريو
The Shining © Warner Bros.
يُعد النص السينمائي -السيناريو- بمثابة اللبنة الأولى في بناء أي عمل فني وكلما كان هذا الأساس أشد صلابة وأكثر رسوخاً، زاد هذا من فرص أن يكون التكوين العام للفيلم السينمائي أكثر قوة وتماسكاً، هذا تحديداً ما جرى مع فيلم The Shining الذي ارتكز على سيناريو يمتاز بالتماسك والترابط ويقوم على حبكة قوية.

تضمن فيلم The Shining عدد محدود جداً من الشخصيات بينهم ثلاث شخصيات فقط رئيسية وتدور أحداثه في نطاق مكاني محدود جداً هو أحد الفنادق النائية، ويُمثل هذا وذاك نقاط ضعف بارزة تحد من فرص تقديم سيناريو ممتع، إلا أن مؤلفا الفيلم –ستانلي كوبريك ودياني جونسون- لم يتمكنا فقط من تجاوز تلك العراقيل بل برعا أيضاً في استغلالها لتقديم سيناريو قوي بالغ التميز لأبعد مدى.

امتاز سيناريو فيلم The Shining بعدم إهدار الوقت؛ إذ يضعنا كمشاهدين في قلب الحدث ابتداءً من المشاهد الأولى التي تنتقل خلالها عائلة جاك تورانس إلى الفندق، ومن ثم يبدأ مباشرة في التعريف بالمكان والشخصيات في آن واحد، وبالتوازي مع ذلك يثير العديد من الشكوك والتساؤلات حول المكان المريب، ومن خلال كل هذا نجح في جذب انتباه المشاهد وأصبح مستعداً للانتقال إلى فصول القصة التالية.

ينقسم فيلم The Shining إلى عِدة فصول برع السيناريو في الانتقال بينها بسلاسة وهدوء، وقد تمكن الكُتّاب ببراعة شديدة في ربط تطور الشخصية الرئيسية على الصعيد النفسي بتطور الأحداث من حيث درجة التعقيد، كما حافظا على وتيرة الأحداث شبه ثابتة دون تسارع يؤدي إلى خلل أو تباطؤ يتسبب في ملل، وبشكل عام حافظ تسلسل السيناريو على تركيز المشاهد من المشهد الافتتاحي وحتى النهاية التي شهدت أكبر المفاجآت ولم يتركا أي ثغرة لتتسرب منها الرتابة أو الملل، كما أنها أتاحت مساحة كبيرة أمام المشاهد لتفسير الأحداث وفق منظوره الخاص دون أن يؤثر ذلك على ترابط وتماسك الأحداث أو يؤثر سلباً على متعة المشاهدة.

Advertisements


الأداء التمثيلي

 الأداء التمثيلي
The Shining © Warner Bros.
اتسم أداء الممثلين جميعاً في فيلم The Shining بدرجة كبيرة من البراعة والإتقان، وكان التميز الأكبر بطبيعة الحال من نصيب بطله -الممثل المخضرم- جاك نيكلسون الذي جسد من خلال هذا الفيلم واحدة من أغنى الشخصيات وأكثرها تعقيداً خلال مسيرته الفنية المديدة والحافلة؛ إذ تمكن من عكس المشاعر شخصيته المتضاربة -في كل مرحلة من مراحل تطورها- بصورة سلسلة، بل واستطاع الانتقال من مرحلة لأخرى بهدوء شديد لا يكاد يُلحظ، واستطاع إظهار طبيعة شخصية الكاتب جاك تورانس غريبة الأطوار دون أن يجنح بأدائه في أي مشهد إلى التكلف والمغالاة.

ينطبق الأمر نفسه على الممثلة شيلي دوفال التي جسدت شخصية الزوجة ويندي تورانس، والتي اتخذت خلال المساحة الأكبر من الأحداث دور رد الفعل، ورغم أن شخصيتها لم تتطور بصورة كبيرة على مدار الأحداث إلا أنها مَثلت الانعكاس المباشر لمدى التطور -أو بالأحرى التدهور- الذي بلغته شخصية الزوج، ولولا أدائها المُتقن لشخصيتها لفقدت شخصية جاك الكثير من بريقها ولأهدر جهد جاك نيكلسون في تجسيدها بتلك البراعة، ولعل أبرز ما يميز أداء شيلي دوفال انفعالاتها التي جاءت متدرجة تبعاً لتطور الأحداث ولم تسقط في فخ المبالغة حتى حينما بلغت الأحداث ذروة الإثارة.

كان الطفل داني لويد -الذي جسد شخصية الابن داني -أحد المحاور الرئيسية في فيلم The Shining وبالتالي كان أدائه التمثيلي أحد مواطن تميزه وأحد أسباب المكانة التي بلغها، وقد اتسم أدائه بقدر كبير من الانضباط خاصة أن أدواته كانت مُقيدة في معظم الأوقات، نظراً لأن العديد من مشاهده كانت طويلة وصامتة وبالتالي كان مُطالباً بالتعبير عما يدور في خلده أو عن ردود أفعاله تجاه الأحداث المختلفة من خلال تعبيرات الوجه ونظرات العينين فقط.

Advertisements


أجواء الفيلم وتكوينه العام

 أجواء الفيلم وتكوينه العام
The Shining © Warner Bros.
كانت الأجواء السائدة والتكوين الفني العام لفيلم The Shining من بين أبرز العوامل التي كفلت له التميُز؛ حيث جاءت مُخالفة للنمط المُعتاد في النسبة الغالبة في أفلام الرعب، من أبرز مظاهر هذا الاختلاف هو الاعتماد على تيمة "البطل الضد"؛ إذ جرت العادة في معظم أفلام الرعب على أن يكون البطل هو الضحية الذي يكافح من أجل النجاة، بينما في فيلم The Shining كانت الشخصية الرئيسية "جاك تورانس" هي نفسها مصدر الخطورة.

ينطبق الأمر نفسه على كافة عناصر تكوين الفيلم الأخرى، فلم يلجأ المخرج إلى الأماكن المظلمة والموحشة لخلق أجواء مرعبة، بل كان فيلم The Shining على النقيض تماماً من ذلك؛ حيث جرت معظم أحداثه في أجواء نهارية أو في ظل إضاءة ساطعة، حتى موقع الأحداث كان عبارة عن فندق عادي جداً لا يوجد في تصميمه ما يثير ريبة أو يبعث خوف، لكن رغم كل ذلك برع المخرج ستانلي كوبريك- باستغلال مختلف أدواته الفنية خاصة التصوير والموسيقى- في وضع المشاهد في حالة قلق وتأهب دائمة بداية من المشهد الافتتاحي حتى الخاتمة.

يمكن القول هنا أن المرعب حقاً في فيلم The Shining هو أن كل شيء به بدا واقعياً بدرجة كبيرة، مما دفع المشاهد إلى التفاعل مع أحداثه بصورة أكبر وساهم في إشعاره بأن الخطر الذي يلاحق الشخصيات قد يكون شديد القرب منه، وهذا يقودنا مباشرة إلى الحديث عن النقطة التالية وهي تصوير الفيلم.

Advertisements


التصوير والإخراج

 التصوير والإخراج
The Shining © Warner Bros.
تمكن المخرج ستانلي كوبريك من تسخير عدساته لخلق كادرات سينمائية مميزة من الناحية الفنية، تدعم الرسائل المراد توصيلها من خلال كل مشهد، وفي ذات الوقت تتسق مع الأسلوب الذي اتبعه منذ البداية وهو مخالفة الطابع السائد في أفلام الرعب الأخرى، بناء على ذلك تخلى عن حركة الكاميرا السريعة والقطعات الحادة في معظم الأحيان، واستعاض عنها بالحركة الهادئة والكادرات القريبة (Close-Up Shots).

برع ستانلي كوبريك في استغلال الظلال والألوان -الطبيعية تماماً- في تكوين كادرات فنية تثير في النفس الريبة والتوجس، والتي تباينت ما بين الكادرات الواسعة الهادفة إلى استعراض الموقع العام للأحداث، التي سعى من خلالها إلى توضيح حجم الفراغ المحيط بالشخصيات واستغل المناظر الطبيعية مثل قمم الجبال والثلوج في إرساء الإحساس بالوحشة والاغتراب، وبين الكادرات القريبة التي ركزت بصورة كبيرة على انفعالات الشخصيات وردود أفعالهم والتي كثر الاعتماد عليها في المشاهد الحاسمة التي كانت بمثابة نقاط تحول في مسار الأحداث خاصة في الثلث الأخير من الفيلم.

اعتمد المخرج أيضاً في كثير من الأحيان على اللقطات الطويلة الممتدة التي تتبع الكاميرا خلالها شخصية ما، وقد تمكن بذلك الأسلوب في وضع المشاهد في حالة توحد مع الشخصيات، ولعل المثال الأروع والأبرز على ذلك هو المشهد الذي يتجول الطفل داني خلاله بأروقة الفندق وهو يقود دراجته الثلاثية.

يُضاف إلى كل ما سبق براعة كوبريك في استغلال العناصر الديكورية المختلفة والألوان والإضاءة في تكوين كادرات فنية مُعبرة عن الحالة النفسية لشخصياته دون مبالغة أو تكلف، من أمثلة ذلك التركيز على السجادة التي بدت نقوشها أشبه بالمتاهة اللامتناهية، أو استغلال انعكاسات العناصر المختلفة -مثل درابزين السلم- على الجدران واستخدام الإضاءات المُتأرجحة ما بين الألوان الباردة والنارية تبعاً لطبيعة المشهد ومستوى التأزم الذي بلغته الأحداث.

Advertisements


الموسيقى التصويرية

 الموسيقى التصويرية
The Shining © Warner Bros.
يصعب التطرق للحديث عن فيلم The Shining دون ذكر الموسيقى التصويرية التي كانت من بين أكثر العناصر فعالية، خاصة أن الفيلم تضمن العديد من المساحات الصامتة التي ساعدت على إبراز ذلك العنصر وتأثيره، وبرع المخرج ستانلي كوبريك في استغلالها بأشكال مختلفة، مثل التعبير عن الحالة العامة للفيلم والأجواء التي يدور بها أو عكس مشاعر الشخصيات أو وضع المشاهد في حالة تأهب للحدث التالي.

لعل أبرز ما يميز أسلوب استغلال ستانلي كوبريك للموسيقى هو قدرته الفائقة على جعل المقطوعات المختلفة متناغمة ومتسقة مع حركة الكاميرا وتركيبات الألوان وتوزيعات الإضاءة المُستخدمة، ليجعل كل مشهد من مشاهد فيلم The Shining بمثابة عملٍ فنيٍ قائمٍ بذاته يمتاز بتكامل عناصره، والأهم أن ذلك تحقق دون الإخلال بالوحدة العضوية للفيلم ككل.